يرى د. علي محمد الصلابي أفي أحد مقالات الدعوية أن فريضة الحج تمثل ركناً عظيماً من أركان الإسلام، وشعيرة جامعة تتجلى فيها معاني العبودية والتوحيد والطاعة والانقياد لله تعالى. وقد فرض الله الحج على المستطيع مرة في العمر، وجعل هذه العبادة المباركة طريقاً إلى تزكية النفس، وتربية القلب، وتطهير السلوك، وربط المسلم بربه وبأمته في مشهد إيماني جامع لا يتكرر في غير هذه الفريضة.

 

ولا تقف مقاصد الحج عند أداء المناسك الظاهرة، بل تمتد إلى بناء الإنسان المؤمن من الداخل، حيث يتعلم الحاج الصبر، والتواضع، وكثرة الذكر، وترك الجدال، والإحسان إلى الناس، واستحضار مراقبة الله في كل قول وعمل. ولذلك يصبح الحج موسماً للتوبة والعودة الصادقة إلى الله، وفرصة عظيمة لكل مسلم كي يجدد إيمانه ويغتنم أياماً جعلها الله من أعظم أيام الطاعة والبركة.

 

فريضة الحج ومقاصد العبودية

 

يؤكد د. علي محمد الصلابي أن الله تعالى لم يفرض عبادة على عباده المؤمنين إلا وجعل لها مقاصد عظيمة وفوائد جليلة ومنافع ممتدة في الدنيا والآخرة. وتأتي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام في مقدمة العبادات التي تجمع بين الامتثال والتربية والتزكية، فهي ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد أوجبها الله تعالى على القادر والمستطيع.

 

وقد جاء الأمر الإلهي واضحاً في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. وهذا التكليف يذكّر المسلم بأن الاستطاعة نعمة ومسؤولية، وأن تأخير الحج من غير عذر تفريط في واجب عظيم.

 

وتدل آيات الحج على أن هذه الشعيرة ليست مجرد رحلة إلى مكان مقدس، بل هي حضور في موسم المنافع والذكر والخضوع لله. قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 27-28].

 

ومن هذا المعنى، لا يجوز للمسلم القادر أن يتهاون في أداء الفريضة أو يؤجلها بلا عذر معتبر. وقد جاء في الحديث الشريف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له» [أحمد: 2869]. فالعبد لا يملك عمره، ولا يعلم ما يعترض طريقه من ضعف أو مرض أو عجز.

 

الحج مدرسة التوحيد والمساواة

 

يرى د. الصلابي أن الحج مدرسة روحية وتربوية عظيمة، وليس مجرد شعائر منفصلة عن أثرها في النفس والسلوك. فالحاج حين يدخل في النسك يستشعر معاني التوحيد من خلال وحدة المناسك، ووحدة المشاعر، ووحدة الدعاء، ووحدة الاتجاه إلى الله تعالى، حيث يجتمع المسلمون على عبادة رب واحد واتباع رسول واحد.

 

وتتأكد هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. فبيت الله الحرام قام على التوحيد، وكل شعيرة فيه تذكّر العبد بأن التعظيم لا يكون إلا لله وحده.

 

وفي مشهد الطواف والسعي والوقوف بعرفة، تظهر قيمة المساواة بين الناس بصورة عملية واضحة. فالحجاج يلبسون لباساً واحداً، ويقفون في صعيد واحد، ويتجردون من مظاهر الدنيا ورتبها وألقابها. فلا يعلو غني على فقير، ولا حاكم على محكوم، ولا صاحب جاه على ضعيف، بل يقف الجميع عباداً لله تعالى.

 

وهذا المشهد يربي النفس على ترك الكبر والتفاخر، ويعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى: عبد فقير إلى ربه. وقد قرر القرآن هذا الميزان الخالد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

 

الذكر والأخلاق والصبر في رحلة الحج

 

يبين د. علي محمد الصلابي أن الحج يربي الحاج على دوام ذكر الله تعالى والإكثار منه، لأن الذكر مقصد أساسي من مقاصد هذه العبادة المباركة. وقد ربط القرآن بين الحج والذكر في أكثر من موضع، فقال سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].

 

كما قال تعالى في شأن الإفاضة من عرفات: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 198]. فالحج يربط حركة الجسد بذكر القلب واللسان، ويجعل كل انتقال بين المناسك فرصة للتسبيح والتكبير والاستغفار.

 

ولا يقتصر أثر الحج على الذكر وحده، بل يمتد إلى تهذيب الأخلاق. فالحج يدرب المسلم على العفو والحلم والرحمة والإحسان، كما يدربه على ترك الأذى في القول والفعل، واجتناب الغضب واللغو والجدال. وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].

 

ومن أعظم دروس الحج كذلك فضيلة الصبر، لأن الحاج يواجه مشقة السفر، وزحام الناس، وتعب المناسك، واختلاف الطبائع، والامتناع عن بعض المباحات أثناء الإحرام. ولذلك يحتاج الحاج إلى صبر يضبط النفس، ويعينه على أداء العبادة بخشوع وسكينة، ويمنعه من الانفعال أو إيذاء الآخرين.

 

عشر ذي الحجة وفرصة التوبة

 

ويشير د. الصلابي إلى أن فضل الحج يتسع ليشمل موسم العشر من ذي الحجة، وهي أيام مباركة جعلها الله فرصة عظيمة للتوبة وتزكية النفس ومضاعفة الأجر. وليست هذه الفرصة خاصة بالحجاج وحدهم، بل هي مفتوحة لكل مسلم يحسن اغتنامها بالطاعة والعمل الصالح.

 

وقد جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر». قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [البخاري: 969].

 

ولهذا يستحب للمسلم في هذه الأيام الإكثار من ذكر الله تعالى، والتهليل، والتكبير، والتحميد، وتلاوة القرآن، والصيام، والصدقة، وسائر أعمال البر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل هذه الأيام: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد» [أحمد: 5446].

 

ومن الأعمال الصالحة في هذه العشر التقرب إلى الله بالأضاحي، وبذل المال، وإطعام الفقراء والمساكين. فالمقصود من الأضحية ليس اللحم ولا الدم، وإنما تحقيق التقوى والخضوع لله، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].

 

يوم عرفة ونداء الاغتنام

 

ومن أعظم ما يميز هذه الأيام المباركة يوم عرفة، وهو يوم عظيم وردت في فضله أحاديث كثيرة. فقد روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة» [مسلم: 1348].

 

ويستحب لغير الحاج صيام يوم عرفة لما فيه من عظيم الأجر. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة، إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» [مسلم: 1162]. وهذا الفضل يدل على سعة رحمة الله، وكرمه بعباده، وفتحه أبواب المغفرة لمن صدق في الطلب والعمل.

 

وفي ختام مقاله، يؤكد د. علي محمد الصلابي أن المسلمين مطالبون باغتنام هذه الأيام المباركة. فالمستطيع يبادر إلى أداء فريضة الحج، مستحضراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [البخاري: 1773]. وغير المستطيع لا يحرم نفسه من أبواب الخير، بل يكثر من الذكر والصلاة والصيام والقرآن والصدقات.

 

إن الحج مدرسة كبرى تعيد ترتيب علاقة المسلم بربه ونفسه والناس. ومن وفقه الله إلى أداء هذه الفريضة أو اغتنام موسمها بالطاعة فقد نال باباً عظيماً من أبواب الرحمة والمغفرة. أما من فرط في هذه المواسم، فقد حرم نفسه من خير واسع لا يضيعه إلا غافل أو محروم.