وقف مصطفى مدبولي اليوم أثناء افتتاحه لعدة مصانع بالعين السخنة ليعرض رواية حكومية تقول إن الاقتصاد المصري قادر على تجاوز الصدمات الدولية، لكن مضمون كلمته حمل اعترافًا واضحًا بأن الحكومة تتجه إلى تمديد كلفة الأزمة على المواطنين لا إلى تخفيفها.

 

رئيس الوزراء قال إن أسعار النفط هبطت إلى أقل من 90 دولارًا ثم عادت لتتجاوز 100 دولار خلال أيام، وربط ذلك مباشرة بارتفاع أعباء الطاقة على مصر، ثم أضاف أن أسعار الوقود والطاقة لن تعود سريعًا إلى مستويات ما قبل الحرب، وأن إجراءات الترشيد ستستمر حتى نهاية 2026. بذلك تحولت كلمة الحكومة من خطاب طمأنة إلى إعلان رسمي بأن الغلاء الممتد صار سياسة معلنة، وأن السلطة لا تملك للمجتمع سوى مزيد من التحمل والانضباط الاستهلاكي تحت ضغط سوق عالمي مضطرب وفاتورة استيراد متصاعدة.

 

قدمت الحكومة، في الوقت نفسه، حزمة أرقام عن التوسع الصناعي والاستثمار والمناطق الاقتصادية ومشروع “ذا سباين” العقاري لتدعيم خطابها السياسي داخل البرلمان. غير أن هذا الخطاب تجاهل السؤال الذي يفرضه الواقع اليومي على الأسر المصرية منذ مارس وأبريل 2026، وهو سؤال الكلفة المباشرة على النقل والكهرباء والغذاء والسكن.

 

فالحكومة رفعت أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استهلاكًا والأنشطة التجارية في أبريل، وأبطأت بعض المشروعات الحكومية كثيفة الوقود، وواصلت إجراءات خفض الاستهلاك، بينما أكدت مؤسسات دولية أن مصر، بوصفها مستوردًا للطاقة، تواجه ضغوطًا أكبر على المالية العامة والدين مع صعود أسعار الوقود العالمية. هذا المسار لا يوزع العبء بعدالة، بل يدفعه إلى المجتمع من باب الأسعار والخدمات والإنفاق اليومي.

 

الطاقة والتهدئة الإقليمية عنوانان لسياسة تحميل المجتمع كلفة الأزمة

 

تحدث مدبولي عن تحركات دبلوماسية مصرية مع شركاء إقليميين ودوليين للحفاظ على وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهي نقطة تؤكد أن الحكومة تدرك الصلة المباشرة بين الجبهة الإقليمية وفاتورة الاقتصاد المحلي. كما أعلنت القاهرة بالفعل انخراطها مع باكستان وشركاء آخرين في جهود تهدف إلى تثبيت التهدئة ومنع مزيد من الاضطراب في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. لكن الحكومة لم تربط هذا المسار الدبلوماسي بأي تعهد موازٍ لحماية المستهلك المصري من أثر الصدمة.

 

وبعد ذلك تحولت هذه المقاربة إلى إجراءات داخلية صريحة. فالحكومة أبطأت مشروعات حكومية تستهلك كميات كبيرة من السولار، وخفضت مخصصات وقود السيارات الحكومية بنسبة 30%، وفرضت ترتيبات لترشيد الاستهلاك، ثم سمحت لاحقًا بتمديد ساعات عمل المحال بعد تخفيف جزئي لبعض القيود. هذا التسلسل الزمني يوضح أن الدولة لم تتعامل مع الأزمة بوصفها ظرفًا عابرًا، بل بوصفها مبررًا مفتوحًا لإدارة الندرة على حساب الاستهلاك العام.

 

ومن هنا جاءت أهمية ما قاله هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في شركة الأهلي فاروس، حين ربط ارتفاع التضخم في مارس 2026 بزيادة أسعار الوقود وسعر الصرف وقيام عدد من الشركات برفع الأسعار بنحو 10%. هذا التقدير ينسف الرواية التي تفصل بين قرارات الطاقة وبين موجة الغلاء اللاحقة. فحين تعترف الحكومة باستمرار أزمة الطاقة حتى نهاية 2026، فهي تعترف عمليًا باستمرار سبب رئيسي من أسباب الضغط على أسعار السلع والخدمات.

 

الصناعة التي تروج لها الحكومة تصطدم بضغط التكلفة وتراجع الأثر على المعيشة

 

قال رئيس الوزراء إن الصناعة المصرية تعيش ما سماه عصرًا ذهبيًا، وأشار إلى وجود أكثر من 200 مصنع واستثمارات بنحو 6.5 مليار دولار في منطقة قناة السويس الاقتصادية، مؤكدًا أن هذه المشروعات تساعد على تقليل الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي. كما تحدث مسؤولون في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عن استثمارات وصلت إلى 16 مليار دولار خلال 4 سنوات، في محاولة لترسيخ صورة أن التوسع الصناعي كافٍ لإثبات نجاح المسار الاقتصادي.

 

لكن هذه الأرقام لا تجيب وحدها عن سؤال المعيشة. لأن الصناعة لا تُقاس بعدد المصانع فقط، بل بقدرتها على خفض الأسعار وامتصاص الصدمات ورفع الدخول الحقيقية. وهنا تبدو المفارقة واضحة. فالحكومة نفسها ربطت الحرب بزيادة تكاليف الطاقة والغاز والمنتجات البترولية، واعترفت بأن بعض المصانع تواجه تحديات. كما أن صندوق النقد الدولي أكد في أبريل 2026 أن مصر تواجه مخاطر أعلى بسبب كلفة الوقود والاستيراد وتشدد الأوضاع المالية العالمية.

 

ثم إن تقديرات محمد أبو باشا، رئيس قسم الاقتصاد الكلي في إي إف جي هيرميس، تعزز هذا المعنى حين أرجع استمرار الحذر النقدي إلى عدم اليقين المرتبط بالحرب وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وضعف الجنيه المصري. هذه القراءة تعني أن الصناعة التي تحتفي بها الحكومة تعمل داخل بيئة تكلفة مضغوطة، وأن أثر التوسع الاستثماري قد يظل محصورًا في المؤشرات الكلية بينما يظل المستهلك أسير فاتورة أعلى على الكهرباء والنقل والسلع.

 

“ذا سباين” والعقار الكبير يكشفان أولوية رأس المال على حساب القدرة الشرائية

 

انتقل مدبولي من الصناعة إلى مشروع “ذا سباين” ليقدمه باعتباره رافعة للتطوير العقاري وما يرتبط به من خدمات وصناعات. والحكومة وافقت بالفعل على أول منطقة استثمارية خاصة لهذا المشروع التابع لمجموعة طلعت مصطفى، على مساحة 506 أفدنة داخل مدينتي، مع 165 برجًا سكنيًا وإداريًا وتجاريًا وفندقيًا. هذا الاختيار السياسي لا يمكن فصله عن استمرار انحياز الدولة للمشروعات العقارية الضخمة بوصفها واجهة للنمو والاستثمار.

 

غير أن هذه الأولوية تأتي في لحظة يضغط فيها السكن على القدرة الشرائية بقوة. فمع ارتفاع كلفة الطاقة والخامات والتمويل، يتحول العقار إلى مجال يتسع فيه هامش رأس المال الكبير بينما يضيق فيه موقع المشتري العادي. وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن استمرار الضغوط على كلفة التنفيذ والطاقة والخامات يدفع أسعار العقارات إلى الصعود، بينما يصطدم السوق في الوقت نفسه بقدرة شرائية متراجعة لا تحتمل زيادات جديدة.

 

وبسبب هذا الترتيب، يصبح الحديث الحكومي عن “النمو” منفصلًا عن الأثر الاجتماعي الفعلي. لأن الحكومة تواصل ربط النجاح بمشروعات كبرى وأرقام استثمارية ومناطق خاصة، بينما يتلقى المواطن النتيجة في صورة وقود أعلى وكهرباء أعلى وغذاء أعلى وسكن أكثر صعوبة. وحتى حين تتحدث دول كثيرة عن حماية الأسر من صدمة الطاقة عبر خفض ضرائب أو توسيع الدعم، تتحرك القاهرة في الاتجاه المعاكس، بين ترشيد ممتد وخفض مخصصات دعم الطاقة في مشروع موازنة 2026 و2027.

 

لهذا لا تبدو مشكلة خطاب مدبولي في نقص الأرقام، بل في الجهة التي تتحمل معناها السياسي والاجتماعي. فالرجل قدّم اعترافًا مباشرًا بأن الأزمة لن تنتهي قريبًا، لكنه لم يقدم تعهدًا مباشرًا بأن الدولة ستمنع انتقال كلفتها إلى موائد الناس وفواتيرهم وإيجاراتهم. ومن هنا يخرج تقرير البرلمان الحكومي بصورة أوضح من أي دعاية رسمية. السلطة تمدد التقشف حتى نهاية 2026، وتطلب من المصريين تمويل هذا التمديد من دخولهم المستنزفة، بينما تواصل بيع المشروعات الكبرى باعتبارها إنجازًا كافيًا في بلد تتآكل فيه القدرة على العيش اليومي.