اندفعت أزمة إيجارات أراضي الأوقاف إلى واجهة المشهد النيابي بعدما تحولت شكاوى المزارعين من همس متكرر في القرى إلى مواجهة مباشرة تحت قبة البرلمان. جلسات لجنة الشؤون الدينية والأوقاف لم تكشف فقط عن قفزة إيجارية حادة، لكنها أظهرت أيضًا أن الحكومة تركت صغار المستأجرين بين فكي الجباية ونقص مستلزمات الإنتاج. نواب اللجنة تحدثوا عن زيادات رفعت إيجار الفدان من نحو 18 ألف جنيه إلى نطاق يتراوح بين 48 ألفًا و54 ألف جنيه سنويًا، وهي أرقام تعني عمليًا أن جهة الإدارة قررت تحميل الفلاح فاتورة سياسات لا يملك بشأنها قرارًا ولا قدرة على الاحتمال. هذا المسار لم يظهر كخلاف إداري محدود، بل كأزمة تمس استقرار الزراعة نفسها، لأن المزارع الذي يعجز عن سداد الإيجار المرتفع لن يملك في الخطوة التالية ثمن السماد ولا تكلفة استمرار الدورة الزراعية.

 

المواجهة البرلمانية اتخذت أهميتها من أن النواب لم يناقشوا أرقامًا مجردة، بل ناقشوا أثرًا مباشرًا على من يزرعون الأرض بالفعل. هشام الحصري وصف الزيادة بأنها غير منطقية، وعماد الغنيمي طالب بمعايير موضوعية تشارك فيها وزارة الزراعة ونقابة الفلاحين، بينما حملت المناقشات شكاوى أخرى تخص تعطل صرف الأسمدة للمستأجرين وصعوبة استبدال الأراضي وتغيير أغراض استخدامها. بهذه الصورة لم تعد الأزمة مجرد خلاف على تقييم سعر، بل صارت دليلًا على أن الإدارة الرسمية تتعامل مع الأرض الوقفية بمنطق التحصيل أولًا، ثم تترك المجتمع الزراعي يواجه النتائج وحده. وعندما تصل القضية إلى البرلمان بهذه الحدة، فإن ذلك يعني أن الضرر خرج من نطاق الحالات الفردية إلى مستوى أزمة عامة تضرب الأقاليم المنتجة وتفتح بابًا جديدًا لتجريف ما تبقى من قدرة الفلاحين على البقاء.

 

قفزة الإيجارات تكشف منطق الجباية قبل منطق الزراعة

 

وفي هذا السياق، جاءت جلسة اللجنة يوم 22 أبريل 2026 لتثبت أن الأزمة لم تنفجر بسبب زيادة عادية يمكن استيعابها، بل بسبب انتقال حاد في القيمة الإيجارية دفع نوابًا إلى طلب إحاطة عاجل واستدعاء مسؤولي الهيئة. هشام الحصري قال إن الإيجار قفز من 18 ألف جنيه إلى نحو 48 ألف جنيه سنويًا، بينما دارت المناقشات حول حالات وصل فيها التقدير إلى 54 ألف جنيه، وهو ما وضع آلاف المستأجرين أمام التزام جديد لا يتسق مع العائد الفعلي من المحاصيل.

 

ومن ثم، ربط عدد من النواب بين الزيادة وبين غياب معيار معلن يمكن للمزارع أن يفهمه أو يعترض عليه بصورة عادلة. عماد الغنيمي طالب بأن تشارك وزارة الزراعة ونقابة الفلاحين في وضع ضوابط موضوعية، لأن تقدير القيمة بمعزل عن تكلفة الإنتاج وسعر المحصول يعني أن الجهة المالكة تفرض رقمًا إداريًا ثم تترك الأرض والسوق والفلاح يتدبرون الصدمة وحدهم. هذا الاعتراض البرلماني كشف أن الخلل لا يقتصر على مقدار الزيادة، بل يمتد إلى طريقة اتخاذ القرار نفسها.

 

وفي امتداد مباشر لهذه الصورة، كان أستاذ الموارد المائية والأراضي نادر نور الدين قد وصف عام 2025 بأنه من أصعب الأعوام على الفلاحين والزراعة المصرية، مؤكدًا أن ارتفاع مدخلات الإنتاج وإيجار الأرض يضغطان على المنتج الصغير ويحولان الزراعة إلى معادلة خاسرة. هذا التوصيف يفسر لماذا اعتبر نواب اللجنة أن رفع إيجارات الأوقاف بهذه القفزة لا يمثل تحديثًا للسعر، بل يمثل دفعًا قسريًا للفلاح خارج القدرة الاقتصادية على الاستمرار.

 

وبعد ذلك، لم يعد الحديث عن التوازن بين حق الوقف وحق المستأجر مقنعًا بالصيغة التي طرحتها الحكومة، لأن الأرقام نفسها تنسف هذا الادعاء. عندما يتحمل المزارع إيجارًا مرتفعًا في بداية الموسم، ثم يواجه أسعار تقاوي ومبيدات وعمالة ونقل أعلى، فإن أي انخفاض في سعر المحصول يترجم مباشرة إلى خسارة. لذلك بدا غضب النواب انعكاسًا لضغط حقيقي في الريف، لا مجرد سجال برلماني عابر.

 

تعطل الأسمدة وعراقيل الإدارة يضاعفان كلفة القرار

 

وفي مستوى أكثر خطورة، توسعت شكاوى المزارعين من الإيجار إلى ملف مستلزمات الإنتاج، بعدما رصدت اللجنة اعتراضات تتعلق بتوقف صرف الحصص المقررة من الأسمدة للمستأجرين. هذا التطور يعني أن الفلاح لا يواجه عبء الإيجار فقط، بل يواجه أيضًا احتمال تراجع الإنتاجية نفسها. وعندما يتعطل السماد في موسم زراعي قائم، فإن الضرر ينتقل من الدفتر المالي إلى الحقل مباشرة، ويصبح الحديث عن حماية الوقف غطاءً لإضعاف الأرض ومن يزرعها.

 

وفي تأكيد لحدة الأزمة، حذر حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، في مطلع أبريل 2026 من أن سعر طن الأسمدة قد يصل إلى 28 ألف جنيه، مع توقفات في البيع والشراء وضغوط متزايدة على السوق. كما أشار إلى أن الاستفادة من الدعم لا تشمل كل المزارعين، بل ترتبط بالحيازات الرسمية، وهو ما يترك شرائح أخرى تتحمل الكلفة كاملة. هذه المعادلة تفسر لماذا بدا حرمان المستأجرين من حصص السماد تهديدًا مباشرًا للموسم الزراعي كله.

 

وبالتوازي مع ذلك، أثار النواب ملف التعنت في استبدال الأراضي وتغيير أغراض استخدامها، وهو ملف لا يبدو إداريًا صرفًا كما تقدمه الجهات الرسمية. لأن البطء في هذه الإجراءات يعطل مصالح مواطنين قائمين على الأرض أو السكن، ويجمد أوضاعًا تحتاج إلى تسوية سريعة. وعندما تتراكم هذه العقبات مع ارتفاع الإيجار ونقص السماد، فإن النتيجة المنطقية تكون دفع المستأجر إلى العجز أو النزاع أو الخروج الكامل من الدورة الزراعية.

 

وفي المقابل، دافع خالد الطيب، رئيس هيئة الأوقاف، عن القرار بقوله إن لجنة متخصصة اعتمدت تقييم الإيجارات وفق نظام أرض المثل على أرض الواقع، وإن الهيئة خفضت التقدير بنسبة 5% عن أسعار المثل السائدة. كما قال إن الهدف هو تعظيم عائدات الوقف وتقليص الفجوة السعرية وحماية المستأجر النهائي من استغلال الوسطاء. غير أن هذا الدفاع الرسمي لم يبدد جوهر الاعتراض النيابي، لأن المقارنة بسعر السوق المجرد لا تكفي حين يكون السوق نفسه منفصلًا عن قدرة المزارع على الإنتاج.

 

ثم عززت الهيئة موقفها عبر تصنيف الأراضي إلى فئات ممتازة وجيدة ومتوسطة وضعيفة، مع الاستقرار على 40 ألف جنيه للأراضي المتوسطة و30 ألف جنيه للضعيفة وفق معاينات ميدانية. لكن هذا التصنيف، حتى إذا صح إجرائيًا، لا يغير حقيقة أن اللجنة ناقشت آثارًا واقعية على صغار المزارعين. فإذا كانت الأرض الضعيفة تحتاج أصلًا إلى إنفاق أعلى لتعويض ضعفها، فإن فرض قيمة مرتفعة عليها لا يقدم عدلًا إداريًا بقدر ما يضيف عبئًا جديدًا على من يزرعها.

 

قرار التسوية لا يمحو الأزمة ومقترح التدرج يفضح عمق المأزق

 

وفي محاولة لاحتواء جانب من التوتر، أصدرت الهيئة القرار رقم 56 لسنة 2026 لفتح باب تسوية الأوضاع والسماح بتملك المساحات الصغيرة والمتناثرة. القرار شمل الأراضي الزراعية التي لا تتجاوز 3 أفدنة، كما شمل المساحات السكنية داخل القرى والعزب بحد أقصى 300 متر مربع، على أساس القيمة السوقية العادلة. هذا المسار قدمته الهيئة باعتباره بابًا للاستقرار الاجتماعي، لكنه جاء في التوقيت نفسه الذي اشتعلت فيه أزمة الإيجارات، فبدا كأنه علاج جزئي لا يمس أصل المشكلة.

 

وفي قراءة أوسع لكلفة هذا النهج، يشير الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إلى أن الدولة اعتادت تحميل المجتمع كلفة السياسات الفاشلة بدلًا من مراجعة بنية القرار نفسه. هذه الملاحظة تلتقي مباشرة مع ما جرى في ملف أراضي الأوقاف، لأن الجهة الإدارية لم تبدأ من سؤال كيف يستمر الفلاح في الأرض، بل بدأت من سؤال كيف تزيد الحصيلة. وعندما تتقدم الجباية على الاستقرار الزراعي، فإن النتيجة تكون مزيدًا من الضغط على الريف لا إصلاحًا لإدارة الأصول.

 

وبسبب ذلك، برز داخل اللجنة اقتراح التدرج في تطبيق الزيادات على 4 سنوات، بواقع 25% سنويًا، بدل فرض القفزة دفعة واحدة. هذا المقترح طرحه النائب طارق خليفة خلال المناقشات، بينما أكد النائب عادل زيدان أن التحركات البرلمانية ستستمر حتى الوصول إلى صيغة تمنع تهجير صغار المزارعين بسبب العجز عن السداد. أهمية هذا الطرح أنه لا يعكس كرمًا تشريعيًا، بل يعكس اعترافًا رسميًا ضمنيًا بأن القرار بصيغته الحالية غير قابل للتحمل على الأرض.

 

وفي النهاية، تكشف هذه الأزمة أن الحكومة لم تدفع ملف أراضي الأوقاف نحو تسوية عادلة، بل دفعته نحو انفجار مؤجل في الريف. البرلمان سمع أرقامًا صادمة، والمزارعون عرضوا خسائر ملموسة، والهيئة تمسكت بمنطق التحصيل، بينما بقيت الزراعة هي الطرف الأضعف. وإذا استمرت الدولة في رفع الإيجار وتعطيل السماد وتجميد الإجراءات تحت عنوان تعظيم العائد، فإن النتيجة لن تكون حماية الوقف، بل إفراغ الأرض من صغار زارعيها وتحويل العدالة الاجتماعية إلى بند مؤجل مرة أخرى.