أعاد مقتل جندي إسرائيلي وإصابة 9 آخرين في اشتباكات جنوب لبنان، اليوم الأحد، فتح السؤال حول ما إذا كانت الهدنة المعلنة بين إسرائيل ولبنان قد دخلت عمليًا مرحلة التفكك المبكر.

 

فالواقعة لم تأت على هامش هدوء مستقر، بل جاءت بعد أيام قليلة فقط من اتفاق وقف إطلاق نار مؤقت برعاية أمريكية دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل لمدة 10 أيام، بينما كانت القوات الإسرائيلية ما تزال متمركزة داخل أراضٍ في الجنوب اللبناني، وكانت إسرائيل تحتفظ لنفسها بحق “الدفاع عن النفس” داخل لبنان بموجب صيغة الاتفاق نفسها. لذلك لم يُقرأ مقتل الجندي الإسرائيلي وإصابة 9 آخرين بوصفه حادثًا معزولًا، بل باعتباره مؤشرًا مباشرًا على أن الجبهة الجنوبية لم تُغلق أصلًا، وأن ما جرى هو استمرار لمواجهة لم تُحسم شروطها الميدانية والسياسية بعد.

 

وتزداد خطورة الحادث لأن توقيته يتقاطع مع مسارين أكبر من الساحة اللبنانية نفسها. الأول هو استمرار القتال المتقطع والتوغلات والضربات الإسرائيلية في الجنوب رغم الهدنة، والثاني هو ربط الجبهة اللبنانية بالتوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران واحتمالات استئناف الحرب مع إيران خلال أيام إذا تعثرت المفاوضات. وفي هذا السياق، تبدو خسارة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان أكثر من مجرد خبر عسكري عاجل، لأنها تعني أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل الهدنة إلى ضبط فعلي للميدان، كما تعني أن جنوب لبنان ما زال ساحة مفتوحة على انفجار جديد يمكن أن يبدأ من عبوة أو اشتباك محدود، ثم يمتد سريعًا إلى مواجهة أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية.

 

الاشتباك في الجنوب أظهر أن الهدنة لا تضبط الميدان

 

قالت رويترز إن الجيش الإسرائيلي أعلن صباح الأحد مقتل جندي في القتال بجنوب لبنان وإصابة 9 آخرين، بينهم حالة خطرة. كما أوردت تقارير أخرى أن الحادث وقع خلال نشاط عملياتي في الجنوب، في أحدث خسارة إسرائيلية على هذه الجبهة منذ بدء الحرب الحالية في 2 مارس 2026، ما يؤكد أن خطوط الاشتباك ما زالت نشطة رغم الهدنة.

 

وتكتسب الواقعة وزنًا أكبر لأن اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 16 أبريل لم يتضمن انسحابًا إسرائيليًا من جنوب لبنان، بل سمح عمليًا باستمرار تمركز القوات الإسرائيلية في عمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية بحسب رويترز. ولذلك بقي الاحتكاك الميداني ممكنًا ومفتوحًا منذ اليوم الأول للهدنة، لأن الجنود الإسرائيليين ما زالوا موجودين في بيئة تعتبرها إسرائيل “منطقة عازلة” ويعتبرها اللبنانيون أرضًا محتلة.

 

ويشرح الكاتب والباحث اللبناني مايكل يونغ هذه المشكلة عندما يقول إن جوهر المعضلة لا يكمن فقط في وقف النار، بل في أن إسرائيل تدفع باتجاه فرض هيمنة أمنية داخل لبنان تحت عنوان التفاوض والسلام. ويرى يونغ أن بقاء القوات الإسرائيلية في الجنوب مع عجز الدولة اللبنانية عن فرض ترتيب جديد سريع يجعل أي تهدئة هشة وقابلة للاهتزاز عند أول صدام ميداني.

 

ومن هنا لا يبدو مقتل الجندي الإسرائيلي حادثًا منفصلًا عن بنية الهدنة نفسها، بل نتيجة مباشرة لصيغة سمحت بوقف العمليات الهجومية الإسرائيلية رسميًا، لكنها لم تُنهِ أسباب الاشتباك على الأرض. فالاتفاق أعطى إسرائيل حق اتخاذ إجراءات دفاعية، ولم يمنح لبنان حقًا مماثلًا بالنص نفسه، كما لم يحسم مصير القرى المدمرة ولا عودة السكان ولا وضع السلاح في الجنوب، وهي كلها ملفات تجعل أي تماس عسكري قابلًا للتحول إلى مواجهة دامية.

 

كما أن أهمية الحادث ترتبط بسياق الخسائر الإسرائيلية على هذه الجبهة. فقبل هذه الواقعة، كانت إسرائيل قد أقرت بمقتل 13 جنديًا في لبنان منذ 2 مارس، ثم أضيفت هذه الخسارة الجديدة، بينما تتواصل العمليات في بيئة قتالية معقدة جنوب الليطاني. وهذا يعني أن إسرائيل، رغم كثافة النيران والتفوق الجوي، لم تنجح في تحويل الجنوب اللبناني إلى ساحة مضبوطة بالكامل أو منخفضة المخاطر على قواتها البرية.

 

إسرائيل ولبنان تحت هدنة مؤقتة لكن الحرب لم تُغلق ملفاتها

 

جاء الحادث بينما كانت الهدنة بين إسرائيل ولبنان تُقدَّم بوصفها خطوة لالتقاط الأنفاس وفتح باب المفاوضات. لكن النص الذي نشرته رويترز يوضح أن الاتفاق هو “وقف للأعمال العدائية” لمدة أولية قدرها 10 أيام، هدفه تسهيل محادثات سلام، لا إنهاء الحرب نفسها. كما ينص الاتفاق على أن الحكومة اللبنانية تتخذ خطوات لمنع هجمات حزب الله، بينما تحتفظ إسرائيل بحق اتخاذ ما تراه دفاعًا عن النفس.

 

وبسبب هذه الصيغة بقيت ملفات أساسية بلا حسم. فالاتفاق لم يُلزم إسرائيل بالانسحاب من جنوب لبنان، ولم ينص صراحة على نزع سلاح حزب الله، ولم يحسم مصير مئات آلاف اللبنانيين الذين فروا من الجنوب. ولذلك لم يكن مستغربًا أن تقع اشتباكات أو حوادث دموية خلال أيام الهدنة الأولى، لأن الاتفاق أوقف جزءًا من النار، لكنه لم يخلق واقعًا أمنيًا جديدًا مستقرًا على الأرض.

 

ويعطي الباحث محمد فواز هذا البعد الإقليمي معنى أوضح، إذ يرى أن حزب الله لا يتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها منفصلة عن الحرب الأوسع مع إيران، بل باعتبارها جزءًا من جبهة مترابطة هدفها استنزاف إسرائيل وربط المسارين اللبناني والإيراني معًا. ولهذا فإن أي احتكاك في الجنوب لا يمكن قراءته محليًا فقط، لأن الحزب نفسه ينظر إلى استمرار الضغط على إسرائيل بوصفه جزءًا من معركة إقليمية أكبر.

 

وبالتوازي مع ذلك، كانت إسرائيل نفسها ترسل إشارات متناقضة. فمن جهة، دخلت في هدنة ومحادثات مع لبنان برعاية أمريكية. ومن جهة أخرى، أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير أن إسرائيل ستواصل تعزيز “المنطقة الأمنية” في الجنوب، وأن المنطقة حتى نهر الليطاني يجب أن تصبح عمليًا منطقة محظورة على حزب الله. وهذا النوع من التصريحات يجعل احتمالات الاشتباك مرتفعة حتى في ظل وجود هدنة مكتوبة.

 

وتؤكد هذه المعطيات أن مقتل الجندي الإسرائيلي وإصابة 9 آخرين ليس تطورًا طارئًا فوق مسار تهدئة متماسك، بل كشفًا جديدًا لفشل الصيغة الحالية في منع الصدامات. فالهدنة جُمِّدت فيها بعض الهجمات، لكنها لم توقف منطق السيطرة بالقوة، ولم تُنهِ التداخل بين الجنوب اللبناني والحرب الإقليمية الأوسع، ولم تنزع من الميدان عناصر الانفجار السريع عند أول احتكاك مباشر.

 

الحادث على الجبهة اللبنانية يضغط على مفاوضات إيران ويهدد بتوسيع الحرب

 

تتجاوز دلالة هذا الحادث حدود الجنوب اللبناني لأن وقوعه تزامن مع تحذيرات أمريكية وإسرائيلية من احتمال استئناف الحرب مع إيران خلال الأيام المقبلة إذا لم تُسجل المفاوضات تقدمًا. وقد ذكرت رويترز اليوم أن الرئيس دونالد ترامب تحدث عن “محادثات جيدة جدًا” مع طهران، لكنه في الوقت نفسه هدد بإعادة القصف إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد قبل انتهاء الهدنة الحالية مع إيران. وفي السياق نفسه، قالت مصادر إن الجبهة اللبنانية كانت بالفعل واحدة من ساحات تمدد الحرب الإيرانية الإسرائيلية.

 

وهنا تبرز أهمية رأي فراس مقصد، المدير الإقليمي في مجموعة أوراسيا، الذي قال في مقابلة مع سي إن إن إن لبنان بات “اختبارًا حاسمًا” لمستقبل التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران. وشرح مقصد أن إيران لا تستطيع بسهولة أن تبدو كأنها تترك حزب الله يواجه مصيره منفردًا بينما تفاوض واشنطن على مسار منفصل، لأن الجبهة اللبنانية تمثل إحدى أهم أوراق النفوذ الإيراني خارج الحدود.

 

وبناء على ذلك، فإن مقتل الجندي الإسرائيلي في جنوب لبنان لا يضغط فقط على مسار الهدنة اللبنانية، بل يضغط أيضًا على المفاوضات الأمريكية الإيرانية نفسها. فكل حادث من هذا النوع يمنح إسرائيل حجة إضافية للقول إن حزب الله ما زال يمثل تهديدًا نشطًا، ويمنح طهران بدورها ورقة تقول من خلالها إن لبنان لا يمكن فصله ببساطة عن أي تفاهم إقليمي أوسع. وهكذا يصبح الجنوب اللبناني مرة أخرى نقطة تماس بين التفاوض والاشتباك معًا.

 

كما أن الحادث وقع في مناخ أمني متفجر أصلًا، بعد مقتل جندي فرنسي من قوات اليونيفيل وإصابة 3 آخرين في جنوب لبنان يوم 18 أبريل، في واقعة أظهرت أن المنطقة لا تشهد فقط توترًا بين إسرائيل وحزب الله، بل انزلاقًا أوسع يطال حتى القوات الدولية العاملة في الجنوب. وعندما تُستهدف قوات أممية بالتزامن مع سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، فإن الحديث عن “احتواء” الميدان يصبح أضعف كثيرًا من واقع الأحداث.

 

وفي المحصلة، يكشف مقتل الجندي الإسرائيلي وإصابة 9 آخرين في جنوب لبنان أن جوهر الأزمة لم يتغير رغم الهدنة ولا رغم المحادثات. فإسرائيل ما زالت داخل أراضٍ لبنانية، وحزب الله ما زال ينظر إلى الجنوب بوصفه ساحة مقاومة لا ساحة منزوعة الاحتكاك، والولايات المتحدة ما زالت تربط التهدئة اللبنانية بتوازنات أوسع مع إيران. لذلك لا تبدو الواقعة حادثًا عابرًا، بل إنذارًا عمليًا بأن أي هدنة لا تنهي أسباب الاشتباك الحقيقية ستبقى مجرد توقف مؤقت في حرب تبحث عن شرارة جديدة، وقد تكون هذه الشرارة قد ظهرت بالفعل في جنوب لبنان اليوم.