أعادت موجة الحجب التي طالت حسابات إعلامية وناشطة على منصة إكس داخل الإمارات فتح ملف القمع الرقمي الرسمي بصورة مباشرة وواضحة، بعدما ظهرت رسائل المنصة للمستخدمين داخل الدولة مؤكدة أن الوصول إلى عدد من الحسابات جرى تقييده استجابة لطلب قانوني محلي، من دون حذف تلك الحسابات عالميًا.
وتكمن خطورة الواقعة في أن الإجراء لم يقتصر على حسابات مجهولة أو غير مؤثرة، بل شمل أسماء صحافية وإعلامية وبحثية معروفة، بما يؤكد أن السلطة لم تعد تكتفي بالملاحقة التقليدية للمحتوى، بل انتقلت إلى تفعيل أدوات قانونية ومنصات دولية لفرض رقابة جغرافية انتقائية تستهدف ما لا تريد الدولة أن يراه جمهورها في الداخل.
وقد أظهرت التغطيات المنشورة أن القرار استند إلى وثيقة رسمية صادرة عن النيابة العامة الاتحادية بتاريخ 31 مارس 2026، بما يمنح الحجب طابعًا مؤسسيًا لا يمكن عزله عن سياسة أوسع لتطويق المجال العام الرقمي داخل الإمارات.
جاء هذا التطور بينما تحاول الإمارات تسويق نفسها خارجيًا بوصفها نموذجًا للانفتاح التقني والإعلامي، إلا أن الوقائع الأخيرة دفعت هذا الخطاب الرسمي إلى حافة الانكشاف الكامل. فالحسابات التي ظهرت عليها إشعارات الحجب لم تختف من المنصة، بل بقيت متاحة خارج الإمارات، وهو ما يعني أن الهدف لم يكن معالجة مخالفة عامة مزعومة، بل حجب محتوى بعينه عن جمهور بعينه داخل حدود الدولة.
وهذه الصيغة تكشف جوهر السياسة المتبعة، لأن السلطة هنا لا تواجه خطابًا بحجج علنية أو بردود قانونية شفافة، بل تلجأ إلى تقنيات المنع المقيد جغرافيًا حتى تُبقي القرار بعيدًا من الفضيحة الكاملة وبعيدًا من المساءلة العامة في الوقت نفسه. كما أن توسع القائمة وتعدد الجنسيات والاتجاهات المهنية للحسابات المحجوبة يظهر أن المسألة لم تعد حالة منفردة، بل عملية فرز سياسي وأمني للمجال الرقمي تحت غطاء قانوني فضفاض.
بداية الحجب كشفت القرار والأسماء والرسالة السياسية
تؤكد الوقائع المنشورة أن المستخدمين داخل الإمارات واجهوا رسالة صريحة عند محاولة الوصول إلى عدد من الحسابات، تفيد بأن الحساب محجوب في هذا البلد استجابة لمتطلبات قانونية، بينما استمر ظهور الحسابات نفسها بصورة طبيعية خارج الدولة. ويعني ذلك أن المنصة لم تنفذ إزالة عامة، بل طبقت حجبًا جغرافيًا محددًا، وهو الشكل الذي يسمح للسلطة الإماراتية بعزل جمهور الداخل عن المحتوى المعارض أو المزعج سياسيًا.
ثم اتضحت القائمة الأساسية للحسابات التي طالها الحجب بصورة موثقة، إذ شملت عبد الله الشريف، وشكري سوداني، وأحمد الشلفي، وأيمن عزام، وعامر الدميني، وياسر العمدة، وياسين أحمد، والصالح منصر اليافعي، ومحمد المسوري، إلى جانب حسابي أخبار إيران بالعربية واليمن الآن. كما أعلن الباحث والأكاديمي مارك أوين جونز أن حسابه أصبح محجوبًا داخل الإمارات، ونشر رسالة من إكس تؤكد تلقي المنصة أمرًا من جهة تنظيمية حكومية.
وبعد ذلك اكتسبت الواقعة بعدًا أخطر مع ظهور وثيقة صادرة عن النيابة العامة الاتحادية في الإمارات تحمل الرقم AGO/2026/0291 ومؤرخة في 31 مارس 2026، وتقضي بإيقاف وحجب حسابات على بعض منصات التواصل الاجتماعي استنادًا إلى قوانين الجرائم والعقوبات ومكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية. كما ذكرت التغطيات أن القرار يتحدث عن شبكة حسابات تنشر محتوى تصفه السلطات بأنه مضلل ومسيء ومؤثر على الرأي العام.
وبهذا المعنى يكتسب ذكر مارك أوين جونز دلالة تتجاوز مجرد كونه أحد المحجوبين، لأن التغطية نفسها قدمته باعتباره باحثًا متخصصًا في مجالات التضليل والدعاية والاستبداد الرقمي على وسائل التواصل الاجتماعي. وعندما تطال إجراءات الحجب باحثًا يعمل أصلًا على دراسة الاستبداد الرقمي، فإن السلطة لا ترسل فقط رسالة منع، بل ترسل أيضًا رسالة تخويف إلى كل من يوثق بنيتها الرقابية أو يفضح أدواتها.
الأساس القانوني الفضفاض يحول مكافحة الشائعات إلى أداة لإسكات الأصوات
تكشف المواد المنشورة أن التبرير الرسمي للحجب يدور حول مواجهة المعلومات المضللة والمحتوى المسيء والمؤثر على الرأي العام، وهي صيغ عامة تسمح بتمديد سلطة المنع إلى مساحات واسعة من التعبير السياسي والإعلامي. وهذا النوع من التبرير لا يقدم تعريفات دقيقة ولا معايير منشورة يمكن اختبارها أو الطعن عليها بصورة عادلة، لذلك يتحول القانون من أداة ضبط محددة إلى أداة انتقائية لمعاقبة الخطاب غير المرغوب فيه.
وفي هذا السياق تبدو الواقعة منسجمة مع ما حذرت منه تقارير حقوقية متخصصة حول المنطقة العربية، إذ أكدت Access Now أن قوانين الجرائم الإلكترونية في المنطقة تُستخدم كثيرًا لإسكات المعارضة، وأن بعض هذه القوانين يجرم التعبير بعبارات فضفاضة مثل المساس بهيبة الدولة أو الأخلاق العامة أو غيرها من الأوصاف المفتوحة التي تزرع الخوف وتدفع إلى الرقابة الذاتية. كما أشارت إلى أن الإمارات من بين الدول التي توظف هذا النوع من النصوص لتقييد التعبير الرقمي.
كذلك ينسجم ما جرى مع الخبرة المهنية التي تقدمها ديبورا براون، نائبة مدير قسم التكنولوجيا والحقوق والتحقيقات في هيومن رايتس ووتش، والتي يتركز عملها على مساءلة المنصات وقضايا الجرائم الإلكترونية والحقوق الرقمية. وقد حذرت المنظمة في سياقات قريبة من أن قمع المحتوى على المنصات يضيق مساحة حيوية للتعلم والمناصرة والانخراط العام. وعندما تتحالف القوانين الفضفاضة مع أدوات المنصات، فإن النتيجة تكون تضييقًا منظمًا لا خطأ تقنيًا معزولًا.
ثم يزيد الغموض حين يتعلق الأمر بالأسماء الإضافية والمنصات الأخرى، لأن بعض المنشورات أشارت إلى أسماء أخرى قيد التحقق، كما ترددت تقديرات عن احتمال امتداد الحجب إلى منصات أخرى، لكن المعطيات المؤكدة حتى الآن تظل متركزة أساسًا على إكس. وهذا الفارق مهم، لأن التوثيق الدقيق هنا يكشف أن الحجب المؤكد لم يعد مجرد شكوى فردية، بل قرار ثابت له أثر مباشر داخل الدولة.
اتساع القمع الرقمي ينسف صورة الانفتاح ويؤكد أثر الردع
تظهر خطورة هذه الموجة بصورة أكبر عندما توضع في سياق أوسع لتنظيم الفضاء الرقمي في الخليج، لأن دراسة تشاتام هاوس حول قوانين الجرائم الإلكترونية في دول مجلس التعاون خلصت إلى أن كثيرًا من النصوص ذات الصلة بالتعبير لا تستوفي متطلبات الوضوح والضرورة والتناسب، وأنها تضع الحق في حرية التعبير نفسه في موضع الخطر وتنتج أثرًا ردعيًا يقود إلى الرقابة الذاتية. وهذا هو الوصف الأقرب لما تصنعه الإمارات اليوم على إكس.
وفي هذا الإطار تبدو مداخلة جويس حكمة، الباحثة المرافقة في برنامج الأمن الدولي في تشاتام هاوس وصاحبة الدراسة، شديدة الصلة بالواقعة، لأنها شددت على أن مراجعة قوانين الجرائم الإلكترونية في الخليج ضرورة عاجلة من أجل الأمن والمجتمع والحريات المدنية معًا. لكن ما حدث في الإمارات يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا، إذ يجري توسيع أثر هذه القوانين لا تقليصه، ويجري استخدامها لضبط الرأي بدل حماية الحقوق.
كما تؤكد مؤشرات أخرى أن الحجب لم يقتصر على أصوات معارضة تقليدية بالمعنى الضيق، إذ سجلت لجنة حماية الصحافيين ضمن رصدها لانتهاكات حرية الصحافة خلال حرب إيران أن الإمارات حجبت في 2 مارس 2026 عدة حسابات على إكس داخل الدولة، ومن بينها حسابات مرتبطة بمؤسسات إعلامية وصحافيين. وهذه الإشارة توسع صورة المشهد، لأنها تربط بين الواقعة الأخيرة وبين سلوك رقابي سابق ومتكرر لا يمكن اعتباره استثناءً عابرًا.
وأخيرًا فإن الخلاصة التي تفرضها الوقائع ليست أن الإمارات تنظم المحتوى الرقمي كما تزعم، بل أنها تستخدم القانون والمنصة معًا لتصفية المجال العام من الأصوات غير المرغوب فيها. فحين تحجب الدولة حسابات صحافية وبحثية وحقوقية داخل حدودها بقرارات غامضة وبعبارات مطاطة، فإنها لا تحمي المجتمع كما تدعي، بل تحاصر حقه في المعرفة وتفرض عليه رواية واحدة بالقوة القانونية والتقنية معًا.

