أدخل قرار مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء بإغلاق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم عند الساعة 9 مساء بداية من 28 مارس 2026 قطاع السينما والدراما في مصر إلى أزمة تشغيلية ومالية مفتوحة، بعدما امتد أثر القرار فعليًا إلى دور العرض وأماكن التصوير والأنشطة المرتبطة بالإنتاج الفني، رغم أن الحكومة قدمت الإجراء باعتباره جزءًا من خطة استثنائية لترشيد استهلاك الكهرباء لمدة شهر كامل. وجاء القرار من دون مراعاة لطبيعة الصناعة التي تعتمد على الورديات المسائية والتصوير الليلي وحفلات العرض الأكثر إقبالًا، وهو ما وضع الشركات والعاملين أمام خسائر مباشرة منذ الأيام الأولى. كما كشف اعتراض السينمائيين السريع أن الحكومة اتخذت قرارًا إداريًا واسع الأثر من دون تشاور جاد مع قطاع يدفع ضرائب ورسومًا ويشغل آلاف الأسر ويعتمد على توقيتات لا يمكن نقلها إداريًا بقرار مكتبي.

 

وأظهر التطبيق العملي للقرار أن الحكومة لم تضغط فقط على دور العرض في وقت الذروة، بل عطلت أيضًا جانبًا أساسيًا من دورة الإنتاج السينمائي والدرامي، لأن المشاهد الليلية لا يمكن إنجازها نهارًا بقرار تنظيمي، ولأن مواقع التصوير الداخلية والخارجية ترتبط بجداول مسبقة وتعاقدات ومعدات مؤجرة وأجور يومية لا تتوقف لمجرد أن رئاسة الوزراء قررت الغلق المبكر. ثم زاد الغضب داخل الوسط الفني حين أكدت نقابة المهن السينمائية أن المنع بعد 9 مساء ألحق ضررًا مباشرًا باقتصاديات السينما والدراما، وأن الخسائر لا تقع على المنتجين فقط، بل تمتد إلى قطاع عريض من العاملين يتجاوز 300 ألف عامل وأسرهم. وبذلك لم يعد القرار مجرد إجراء لترشيد الكهرباء، بل صار مثالًا واضحًا على تحميل الحكومة كلفة أزمتها الإدارية والطاقية لقطاع ثقافي وإنتاجي قائم بالفعل.

 

القرار الحكومي عطل التصوير الليلي وضرب جدول الإنتاج

 

جاء القرار الحكومي المنشور في 27 مارس 2026 واضحًا في فرض الغلق اليومي من الساعة 9 مساء أمام الجمهور على المحال العامة والمولات والمطاعم والكافيهات، مع سريان التطبيق من 28 مارس ولمدة شهر، بينما لم يرد ضمن الاستثناءات ما يحمي عمليًا النشاط السينمائي من أثر الغلق الواسع على مواقع التصوير ودور العرض.

 

وبسبب هذا الغياب للاستثناء، اضطرت نقابة المهن السينمائية إلى إعلان مواعيد عمل جديدة تتماشى مع القرار، وهو ما أكد منذ اللحظة الأولى أن الحكومة لم تترك مساحة تشغيل طبيعية لصناعة تعتمد على المساء والليل. كما قال مسعد فودة نقيب المهن السينمائية إن منع التصوير بعد 9 مساء كانت له تداعيات كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر.

 

ثم ربط مسعد فودة بين القرار وبين الخسائر التي تتحملها شركات الإنتاج والعاملون، مؤكدًا أن القطاع الذي يتجاوز 300 ألف عامل يدفع ثمنًا باهظًا لقرار لم يراع خصوصية مواقع التصوير. وأضاف فودة أن المنتجين يسددون ضرائب ورسومًا وكلفة خدمات قبل تصوير المشهد الأول، بما في ذلك الكهرباء التي تُدار بمولدات في معظم الأماكن.

 

كما وسع المخرج أمير رمسيس دائرة الاعتراض حين قال في 28 مارس 2026 إن إلغاء حفلة 9 مساء يمثل كارثة لصناعة السينما المصرية، لأنها الحفلة الأكثر رواجًا، ووصف القرار بأنه ضربة لصناعة تترنح أصلًا تحت رسوم التصوير والضرائب المختلفة. وبذلك انتقل الاعتراض من الشكوى الإجرائية إلى اتهام مباشر للحكومة بضرب صناعة مأزومة.

 

خسائر دور العرض والشركات تكشف كلفة القرار على السوق الفنية

 

بعد بدء التنفيذ مباشرة، بدأت خسائر دور العرض تظهر في الأرقام والتقديرات المهنية، لأن العروض المسائية تمثل الجزء الأكبر من الإيراد اليومي في السوق المصرية. وأفادت تغطية منشورة في 27 مارس 2026 بأن موزعين وأصحاب دور عرض توقعوا خسائر تصل إلى 70%، فيما قال الموزع محمود دفراوي إن 4 حفلات بعد 9 مساء تمثل 75% من الإيراد اليومي.

 

وبالتوازي مع ذلك، عقدت غرفة صناعة السينما اجتماعًا في 30 مارس 2026 لمناقشة أثر الغلق المبكر على إيرادات الأفلام، وهو ما يعني أن الضرر لم يبق في مستوى التصريحات الغاضبة، بل تحول سريعًا إلى أزمة سوق دفعت المنتجين والموزعين إلى التحرك الجماعي لمراجعة آثار القرار الحكومي على الصناعة.

 

ثم أكد المنتج هشام عبد الخالق رئيس غرفة صناعة السينما في 9 أبريل 2026 أنه يعمل على جمع الأرقام والتفاصيل الخاصة بتأثير القرار، مشيرًا إلى أن الغلق المبكر انعكس بوضوح على الإيرادات وعلى أصحاب دور العرض والمنتجين وصناعة السينما بشكل عام. وهذه الشهادة عززت صورة القرار بوصفه عبئًا حكوميًا مباشرًا على السوق.

 

كذلك قال الناقد طارق الشناوي في تصريحات منشورة في 9 أبريل 2026 إن منع التصوير الليلي قرار متخبط، وهو توصيف سياسي ومهني حاد يكشف أن الوسط السينمائي لم ير في الإجراء خطة مدروسة، بل رآه قرارًا مرتبكًا صدر من سلطة تنفيذية لم تختبر أثره الفعلي على الصناعة قبل فرضه.

 

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتراجع الحكومة نفسها لاحقًا عن سقف 9 مساء، إذ أعلن مصطفى مدبولي في 10 أبريل 2026 تغيير موعد غلق المحال العامة والسينمات إلى 11 مساء خلال المدة المتبقية من القرار الاستثنائي. وهذا التراجع لم ينف الضرر، بل أكد أن الحكومة دفعت القطاع إلى الخسارة أولًا ثم عدلت القرار بعد اتساع الاعتراض.

 

العمالة الفنية تدفع الثمن والحكومة تكرر إدارة الأزمة بالقرارات الفوقية

 

لأن الإنتاج السينمائي لا يقوم على النجوم وحدهم، فإن الضرر الأكبر وقع على العمالة اليومية والفنيين ومساعدي الإخراج وعمال الديكور والإضاءة والنقل والخدمات، وهم الفئات التي تتوقف أجورها على استمرار حركة التصوير يومًا بيوم. وقد شدد مسعد فودة على أن الخسائر تمتد إلى أكثر من 300 ألف عامل وأسرهم، لا إلى الشركات فقط.

 

وبسبب ذلك، صار قرار الغلق المبكر تهديدًا مباشرًا لمصدر دخل قطاع واسع يعتمد على انتظام الورديات والالتزام بخطط التصوير. كما أن الحكومة لم تقدم آلية تعويض أو استثناء تشغيليًا واضحًا لهذا القطاع منذ البداية، رغم أن الأزمة لم تكن خفية، ورغم أن أثرها كان متوقعًا منذ صدور القرار ونشر مواده الرسمية.

 

ثم إن الحكومة ربطت ترشيد الكهرباء بقطاع لا يستهلك الطاقة وفق منطق المحال التجارية التقليدية، بل وفق نظام إنتاجي مختلف يعتمد على جداول معقدة ومواقع متغيرة ومشاهد ليلية لا يمكن ترحيلها ببساطة. ومن هنا بدت الأزمة هيكلية، لأن السلطة التنفيذية تعاملت مع الصناعة الفنية بمنطق إداري موحد لا يفرق بين مطعم وبلاتوه تصوير ودور عرض.

 

كما أن اعتراض أمير رمسيس وطارق الشناوي ومسعد فودة كشف أن الغضب لم يكن خلافًا محدودًا على توقيت حفلة أو وردية، بل اعتراضًا على طريقة حكم تعتبر القطاع الفني هامشيًا عند أول اختبار. وهذه الطريقة نفسها تفسر كيف صدر القرار واسعًا، ثم جرى تعديله بعد انكشاف خسائره، بدل أن تسبقه دراسة جادة من الأصل.

 

وبذلك تكشف أزمة المهن السينمائية أن حكومة مصطفى مدبولي لم تضع خطة رشيدة للطاقة بقدر ما فرضت عبئًا سريعًا على قطاع قائم، ثم تركت الشركات والعمالة ودور العرض تتحمل كلفة الارتباك. فالقرار أصاب التصوير الليلي، وأربك الجداول، وضغط الإيرادات، وهدد عشرات الآلاف من فرص العمل، قبل أن تعود الحكومة لتخفف بعض القيود بعد وقوع الخسارة.

 

وفي المحصلة النهائية، لم تكشف الأزمة فقط هشاشة وضع السينما المصرية، بل كشفت أيضًا أسلوب إدارة حكوميًا يعتمد على الأوامر الفوقية أكثر مما يعتمد على التشاور والتقدير القطاعي. ولهذا يبدو القرار مثالًا جديدًا على أن الحكومة حين تواجه أزمة في الكهرباء تلجأ إلى أسهل طريق سياسي، وهو نقل الكلفة إلى المجتمع والقطاعات المنتجة بدل معالجة أصل المشكلة بكفاءة وعدالة.

 

المصادر المعتمدة في هذا التقرير شملت قرار رئاسة مجلس الوزراء الصادر في 27 مارس 2026، وتصريحات مسعد فودة المنشورة في 9 أبريل 2026، وتصريحات أمير رمسيس المنشورة في 28 مارس 2026، وتغطيات خسائر دور العرض واجتماعات غرفة صناعة السينما المنشورة بين 27 مارس و9 أبريل 2026، إضافة إلى التصريحات المنشورة لطارق الشناوي حول تخبط القرار وتراجع الحكومة لاحقًا إلى موعد 11 مساء.