دخل مضيق هرمز هذا الأسبوع مرحلة جديدة من التصعيد بعد انتقال الأزمة من التهديدات السياسية إلى إجراءات عسكرية ميدانية تقودها الولايات المتحدة، في أعقاب انهيار جولة المباحثات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد.
وأكدت تقارير دولية أن واشنطن بدأت تنفيذ حصار بحري يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بينما أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية أن 6 سفن تجارية اضطرت إلى تغيير مسارها خلال الساعات الأولى من بدء التنفيذ. هذا التطور لم يفتح فقط جبهة توتر جديدة في الخليج، بل أعاد أيضًا طرح سؤال أوسع عن حدود القوة الأمريكية، وعن قدرة إدارة دونالد ترامب على فرض وقائع بحرية جديدة في واحد من أخطر الممرات المائية في العالم.
وفي المقابل، بدا الموقف الأوروبي مرتبكًا وحذرًا في آن واحد، إذ رفضت العواصم الأوروبية الانخراط في المسار الأمريكي، وظهرت مؤشرات واضحة على سعي أوروبي لبناء تصور منفصل لتأمين الملاحة في المضيق بعد توقف القتال، من دون مشاركة الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران. كما شدد الاتحاد الأوروبي على رفض أي رسوم أو قيود على المرور في هرمز، انطلاقًا من مبدأ حرية الملاحة الذي يحكم هذا الممر الدولي. وبين ضغط الحصار الأمريكي وحسابات التهدئة الأوروبية، تتحرك طهران بدورها على أرضية شديدة الحساسية، إذ توازن بين تجنب الصدام المباشر وبين عدم تقديم تنازلات تبدو بمثابة رضوخ كامل لشروط واشنطن.
الحصار الأمريكي يدخل حيز التنفيذ بعد فشل محادثات إسلام آباد
بدأ التصعيد الأخير عندما انهارت المباحثات الأمريكية الإيرانية التي عُقدت في إسلام آباد، وهي الجولة التي كانت تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار الهش وفتح مسار تفاوضي أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني وترتيبات الأمن الإقليمي. لكن الخلافات حول تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة وشروط التهدئة أطاحت بالمحادثات، لتنتقل واشنطن بعدها مباشرة إلى خيار الحصار البحري.
وأعلنت القيادة العسكرية الأمريكية أن الحصار دخل حيز التنفيذ يوم الإثنين، وأنه يستهدف حركة الملاحة الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها عبر الخليج وخليج عمان. ووفق رواية الجيش الأمريكي، فإن أكثر من 10,000 عسكري أمريكي، وأكثر من 12 قطعة بحرية، وعشرات الطائرات تشارك في فرض هذا الإجراء، مع السماح فقط بالشحنات الإنسانية بعد التفتيش. هذا الحجم من الانتشار يعكس أن واشنطن لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مجرد ضغط تفاوضي محدود، بل كأداة ردع ميداني مفتوحة على احتمالات أوسع.
كما قالت وكالة رويترز إن 6 سفن تجارية اضطرت إلى العودة أو تغيير مسارها خلال أول 24 ساعة من بدء الحصار، وهو ما يعني أن الإجراء الأمريكي لم يبق في حدود الإعلان السياسي، بل بدأ فعليًا في التأثير على حركة التجارة البحرية. وأشارت تقارير أخرى إلى أن واشنطن تركز على استهداف الملاحة المرتبطة بإيران، وليس إغلاق المضيق بالكامل أمام كل السفن، في محاولة لتقديم الحصار باعتباره أداة ضغط على طهران أكثر من كونه إغلاقًا شاملًا للممر الدولي.
لكن هذا التوصيف الأمريكي لا يلغي خطورة اللحظة، لأن مجرد فرض حصار عسكري على الموانئ الإيرانية في هذه المنطقة يضع تجارة الطاقة العالمية أمام مستوى جديد من المخاطر. فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال المنقول بحرًا في العالم، ولذلك فإن أي اضطراب طويل في هذا الشريان ينعكس سريعًا على الأسعار وعلى حسابات الدول المستوردة للطاقة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن أسعار النفط قفزت بقوة مع تصاعد الأزمة وتجاوزت 100 دولار للبرميل في بعض التعاملات.
أوروبا ترفض الرسوم وتبتعد عن المقاربة الأمريكية
في الجهة الأخرى، لم يبد الاتحاد الأوروبي استعدادًا للانضمام إلى النهج الأمريكي، بل ظهرت ملامح تباعد واضحة بين الطرفين. فقد نقلت تقارير دولية أن فرنسا وبريطانيا وأطرافًا أوروبية أخرى بدأت مناقشة خطة منفصلة لتأمين الملاحة في هرمز بعد توقف الحرب، من دون إشراك الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، في إشارة مباشرة إلى أن أوروبا لا ترى في المقاربة الأمريكية الحالية طريقًا آمنًا لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
كما شدد الاتحاد الأوروبي على رفضه فرض أي رسوم أو قيود على المرور في المضيق. ونقلت تقارير عن متحدث أوروبي أن القانون الدولي يكفل حرية الملاحة في هرمز، وأن هذه الحرية لا يجب أن تخضع لرسوم أو ترتيبات أحادية. هذا الموقف جاء ردًا على الطروحات الإيرانية السابقة بشأن فرض رسوم على بعض السفن، لكنه في الوقت نفسه يعبّر عن رفض أوروبي ضمني لتحويل المضيق إلى ساحة فرض إرادات متقابلة بين واشنطن وطهران.
ومن الناحية السياسية، يكشف هذا التمايز الأوروبي أن العواصم الكبرى في الاتحاد لا تريد أن تُحسب ضمن عملية أمريكية قد تُتهم بخرق قواعد الملاحة أو بدفع المنطقة إلى انفجار أوسع. كما أن بعض القادة الأوروبيين انتقدوا الحرب نفسها، إذ وصفت وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز اندفاع واشنطن إلى الحرب بأنه "حماقة" بسبب غياب خطة خروج واضحة، وهو تصريح يلخّص حجم القلق الأوروبي من المسار الذي اختارته إدارة ترامب.
ولهذا لا يبدو الموقف الأوروبي مجرد اعتراض فني على الرسوم أو على شكل إدارة الملاحة، بل يعكس اختلافًا جوهريًا في تقييم الأزمة. فبينما تريد واشنطن استخدام الضغط العسكري المباشر لفرض شروط تفاوضية جديدة، تميل أوروبا إلى مقاربة تقوم على إعادة فتح المضيق عبر ترتيبات دولية دفاعية لاحقة، وليس عبر حصار تقوده قوة واحدة في ذروة التوتر. هذه الفجوة قد تُضعف الموقف الغربي الموحد وتمنح طهران مساحة أوسع للمناورة السياسية.
طهران تدرس التهدئة التكتيكية وتحذر من الانفجار
في المقابل، تشير التقارير إلى أن طهران لا تريد حتى الآن اختبار الحصار الأمريكي بطريقة مباشرة قد تؤدي إلى انفجار عسكري شامل. ونقلت وكالة بلومبرج، بحسب ما أوردته تقارير صحفية دولية، أن شخصيات نافذة داخل إيران ترى أن أي محاولة لاختبار جدية العمليات الأمريكية في الخليج قد تنقلب على طهران وتنسف فرص استئناف المحادثات. هذا يعني أن القيادة الإيرانية تتعامل مع الأزمة بمنطق مزدوج يجمع بين تجنب التصعيد الفوري والحفاظ على أوراق الضغط.
لكن هذا الحذر الإيراني لا يعني أن المخاطر تراجعت. فالحصار الأمريكي جاء بعد أسابيع من الاضطراب في حركة الملاحة، وبعد حديث أمريكي عن إزالة ألغام وفتح ممرات آمنة، كما أنه يتقاطع مع وقف إطلاق نار هش قالت أسوشيتد برس إنه يمتد حتى 22 أبريل 2026. وإذا فشلت المساعي الجارية لترتيب جولة جديدة من المحادثات، فإن السقف العسكري قد يرتفع بسرعة، خصوصًا أن طهران سبق أن حذرت من الرد على أي تهديد يمس موانئها أو أمنها البحري.
وتحاول واشنطن تقديم حصارها باعتباره وسيلة لإجبار إيران على العودة إلى التفاوض، لكن الوقائع تشير إلى أن هذه الأداة نفسها قد تجعل أي تفاوض لاحق أكثر تعقيدًا. فكلما طال أمد التعطيل في هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة، واتسعت الضغوط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، وازدادت فرص دخول أطراف دولية أخرى على خط الأزمة، سواء لحماية مصالحها التجارية أو لمعارضة الاستخدام الأمريكي للقوة في هذا الممر الحساس.
وفي المحصلة، يقف مضيق هرمز الآن عند نقطة شديدة الخطورة، إذ لم يعد مجرد ممر بحري متوتر، بل صار ساحة اختبار لإرادات متنافسة بين إدارة أمريكية تريد فرض وقائع عسكرية، وأوروبا تحاول تفادي الانجرار، وإيران تبحث عن مخرج لا يبدو استسلامًا. وبين هذه الحسابات المتصادمة، تبدو أي شرارة جديدة كفيلة بنقل الأزمة من حصار بحري محدود إلى مواجهة إقليمية أوسع، تكون كلفتها على الملاحة والطاقة والاستقرار الدولي أعلى بكثير من حدود الخليج نفسه.

