لم تتعامل سلطة الانقلاب مع أزمة الكهرباء باعتبارها ملفًا خدميًا يستوجب شرحًا رسميًا ومحاسبة واضحة، بل تعاملت معها باعتبارها أزمة انطباع عام يمكن إدارتها بحملة إعلامية واسعة تستدعي الفنانين والمشاهير ولا تستدعي المسؤولين عن القرار.
هكذا انتقلت الأزمة من سؤال مباشر عن أسباب العجز في الطاقة وعن كلفة السياسات وعن أولويات الإنفاق العام إلى مساحة مصنوعة بعناية عنوانها ترشيد الاستهلاك، بينما جرى تقديم المواطن باعتباره الحلقة التي يجب تقويمها لا الطرف الذي من حقه أن يعرف لماذا عادت الكهرباء إلى واجهة التوتر العام أصلًا.
وفي هذا السياق ظهر الفنانون في مقدمة المشهد لا بوصفهم أصحاب معرفة فنية أو مهنية بملف الطاقة، بل بوصفهم أدوات تمرير ناعمة لخطاب حكومي يريد تخفيف الغضب الشعبي وتحويل أصل الأزمة إلى سلوك فردي داخل المنزل، بحيث يصبح النقاش عن لمبة غرفة لا عن إدارة دولة.
هذا التحول لم يكن تفصيلًا عابرًا في مشهد الأزمة، لأن الاستعانة بالفنانين ولاعبي الكرة والإعلاميين حملت دلالة سياسية واضحة، وهي أن الحكومة اختارت مرة أخرى أن تلبس فشلها ثوبًا دعائيًا قابلًا للتسويق، بدلًا من أن تواجه الناس بحقائق الوضع كما هي. وبذلك صار المطلوب من الجمهور أن يتلقى النصيحة من ممثل أو لاعب أو مذيع، في وقت تتوارى فيه السلطة التنفيذية خلف صور مألوفة ومحبوبة أو على الأقل حاضرة جماهيريًا.
غير أن هذا الاختيار نفسه كشف حدود الخطاب من أول لحظة، لأن الناس لم تر في تلك الوجوه حلًا بقدر ما رأت محاولة لتدوير الأزمة وإعادة بيعها في شكل أكثر نعومة. ومن هنا اتسع السؤال لا عن استهلاك الكهرباء فقط، بل عن الطريقة التي تستخدم بها السلطة الإعلام والفن لتبرير الإخفاق، ثم تطلب من الجمهور أن يشكرها على النصيحة.
الفنانون في الواجهة والسلطة خارج المساءلة
عندما أطلقت الجهات الرسمية مبادرة "طفي النور اللي مش محتاجه"، لم تكتفِ بتقديم إرشادات عامة لترشيد الاستهلاك، بل دفعت بفنانين ولاعبي كرة قدم إلى صدارة الحملة كي يظهر الحل وكأنه يبدأ من المواطن وحده. بهذا الترتيب، غابت الحكومة عن موقع المساءلة المباشرة، وحضر الفنانون في موقع المرسل الذي يوجّه الناس ويعيد صياغة الأزمة باعتبارها نتيجة سلوك منزلي يومي لا نتيجة خلل في القرار والإدارة.
وعندما خرج أحمد العوضي وسيد رجب وريهام عبدالغفور برسائل تطلب من المصريين إطفاء أنوار الغرف غير المستخدمة، جاء ظهورهم بالتزامن مع قرار حكومي يقضي بتعديل مواعيد غلق المحال التجارية والمنشآت الاقتصادية إلى الساعة 11 بدلًا من الساعة 9. هذا التزامن لم يكن محايدًا، لأنه أظهر الحملة باعتبارها ذراعًا موازية للقرار التنفيذي، هدفها امتصاص الغضب وتحويل النقاش من السياسة إلى السلوك.
وفي هذا الإطار رأى كثيرون أن الحكومة استخدمت شهرة الفنانين لتثبيت معنى سياسي محدد، وهو أن المواطن هو أصل الأزمة وهو أيضًا الجهة المطالبة بحلها. وبدلًا من أن تشرح الدولة كيف وصلت البلاد إلى هذا الوضع، دفعت بوجوه فنية لتؤدي وظيفة الواعظ الشعبي. وهنا لم يعد الفنان مجرد مشارك في إعلان، بل صار جزءًا من آلية تنقل اللوم من السلطة إلى المجتمع.
وبينما كانت الحملة تتوسع، خرج الفنان وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال ليتحدث عن جهات خارجية تنشر الفتن على مواقع التواصل وتكره الناس في عيشتها وقوتها الناعمة ونجومها. هذا الكلام زاد الغضب بدلًا من تهدئته، لأنه نقل الأزمة من ميدان الخدمة العامة إلى ميدان التخوين، وكأن الاعتراض على الحملة ليس اعتراضًا على أداء حكومي، بل خصومة مع الوطن نفسه.
ولذلك بدت الوجوه الفنية في نظر قطاع واسع من الجمهور أدوات ترويج لا أطرافًا محايدة، لأن مشاركتها جاءت في لحظة غضب عام من قرارات وسياسات تمس الحياة اليومية مباشرة. وعندما يتحول الممثل إلى واجهة يمر من خلالها خطاب رسمي يحمّل الناس العبء، فإن صورته نفسها تدخل في دائرة الرفض، ويصبح حضوره دليلًا على استخدام الفن لتغطية الفشل لا لتفسيره.
من حملة توعية إلى صناعة رضا قسري
بعد ذلك اتسعت القراءة النقدية للحملة لتتجاوز مشاركة الفنانين نفسها، وتصل إلى طبيعة الدور الذي أُسند إلى الإعلام كله. فبدلًا من مناقشة الأزمة بصفتها خللًا بنيويًا في إدارة الطاقة، أعادت التعليقات الإعلامية وشبه الإعلامية إنتاج خطاب قديم يطلب من الناس التكيف والصمت، أو يقارن الحاضر بالماضي بطريقة تصنع شعورًا بالفقد وتعيد توجيه الغضب بعيدًا عن صانع القرار.
وفي هذا السياق تداول حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats ما نُسب إلى مصدر بوزارة الكهرباء عن دراسة مقترح لتحديد حد أقصى شهري لاستهلاك الكهرباء وتوزيعه على أيام الشهر، في إطار خطة لضبط الاستهلاك. خطورة المقترح لم تكن في صيغته الفنية فقط، بل في منطقه السياسي، لأنه يحمّل المواطن مسؤولية يومية عن أزمة لم يشارك في صناعتها ولا في إدارة نتائجها.
وعندما طُرح السؤال عن مصير الأسر إذا استنفدت حصتها قبل نهاية الشهر، ظهر بوضوح أن خطاب الترشيد يسير في اتجاه أبعد من النصيحة المنزلية، إذ يقترب من معاقبة المواطن على آثار الخطأ الرسمي. هنا لم تعد الحملة مجرد دعوة لتوفير الكهرباء، بل تحولت إلى مقدمة ذهنية لتقبل فكرة أن الخدمة العامة يمكن أن تتحول إلى حصة وأن التقصير الحكومي يمكن أن يُدار على حساب الناس.
ومن هنا كتب حساب @7adasBelfe3l بلغة غاضبة أن المطلوب من الشعب أن يعمل ويجوع ويصمت من أجل تحسين حياة الحاشية، وهو تعبير قاسٍ لكنه عبّر عن الجو العام الذي ولّدته الحملة. فحين يشعر الناس أن الإعلام يطلب منهم تحمل كل شيء، بينما لا يطلب من الحكومة إلا مزيدًا من التبرير، فإن الحملة كلها تبدو كأنها صناعة رضا قسري لا خطاب توعية.
وفي هذا المعنى يلتقي ما جرى مع ما يطرحه الكاتب والأكاديمي عمار علي حسن عن الوظيفة القبيحة التي تمارسها بعض الدول حين تدفع الفقراء إلى مواجهة فقراء مثلهم من أجل حماية مصالح من يستنزفون الجميع. ذلك الوصف ينطبق هنا على مستوى الخطاب، لأن الحملة وضعت المواطن في مواجهة مواطن آخر، وجعلت النقاش يدور حول سلوك الأفراد بدلًا من أن يدور حول مسؤولية السلطة.
القدوة المكسورة وسقوط الحملة في السخرية
ثم جاءت واقعة وزير المالية أحمد كوجك لتكشف هشاشة الخطاب كله في مشهد واحد. فقد أشار الحقوقي هيثم أبوخليل إلى أن الوزير الذي ظهر في فيديو توعية يطلب من الناس إطفاء الكهرباء وفتح الشبابيك، تحرك بعد ذلك في موكب يضم سيارة مرسيدس سوداء وسيارات مرافقة مرتفعة الكلفة. هنا لم يعد التناقض مجرد تفصيل جانبي، بل صار مضمونًا كاملًا للحملة كما رآه الجمهور.
وزير المالية أحمد كوجك بعدما عمل فيديو التوعية بأن تُطفئ الكهرباء وتفتح الشبابيك لترشيد الاستهلاك نزل من مكتبه وركب
سيارة الوزارة المرسيدس السوداء S 500 بسعر 12,300,000 جنيه وبرفقة
سيارة أمامية: تويوتا فورتشنر بسعر
3,700,000 جنيه
وخلفية: تويوتا لاند كروزر بـ8,000,000جنيه#مصر pic.twitter.com/6ULx4n5Loc
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) April 12, 2026
وبسبب هذا التناقض، تحولت دعوة الترشيد إلى مادة سخرية واسعة على مواقع التواصل، لأن الناس لم تر مسؤولًا يشاركها شروط الأزمة، بل رأت مسؤولًا يطلب منها التقشف من موقع امتياز واضح. وعندما تنكسر القدوة بهذه الصورة، يفقد الخطاب الرسمي صدقيته من أساسه، ويصبح الفنان الذي يكرر الرسالة شريكًا في مشهد يراه الناس مفصولًا عن واقعهم اليومي.
وفي الاتجاه نفسه كتب أبو دانتي ماجد الحربي أن اختزال حضور مصر في الإقليم إلى تطفئة اللمبات يكشف حجم التراجع الذي وصلت إليه الدولة، بينما ذهب الصحفي الكويتي سعد العجمي إلى أن الإعلام الذي يغطّي على الأزمات بالأكاذيب لا يحل مشكلة بل يؤجل انفجارها. كلا التعليقين ربط بين الحملة وبين وظيفة أوسع للإعلام الرسمي وشبه الرسمي في تجميل الفشل بدل كشفه.
🇪🇬 اليوم طلع وزير المالية المصري بإعلان يطلب من الناس ترشيد استهلاك الكهرباء ويقول بدل اللمبات اكتفوا بنور الشمس
سبحان الله كيف اضمحل وتلاشى دور مصر بالشرق الأوسط، فرغم حدّة الأحداث ما تجد من مصر الا تطفية اللمبات والكهرب
أيام حسني مبارك وقبله كان لمصر ثقل كبير، بس تلاشى pic.twitter.com/DE09PVaIrp
— ابو دانتي - ماجد الحربي (@AboDantee) April 12, 2026
الشعب المصري شعب بسيط بُلي بإعلام نصاب امتهن الفهلوه و الكذب والتدليس على " الغلابا " مستغلاً عواطفهم وجهل بعضهم ومستعيناً بلجان غبيه مدفوعة الثمن للتغطيه على فشل الساسه وتردي أوضاع البلد ، والازمات التي تمر بها بلادهم والتي تنتظرها في المستقبل القريب والبعيد .وفق مبدأ " داري… pic.twitter.com/lFsYms153b
— سعد العجمي (@saadal3jmi) April 12, 2026
كما عبّرت رانيا الخطيب @ElkhateebRania عن الفكرة نفسها حين قالت إن الفنانين والمشاهير الذين خرجوا في الحملة لا يملكون رصيدًا حقيقيًا عند الناس يؤهلهم للوعظ، وإن الأموال التي أُنفقت على الحملة أولى بالتوفير أصلًا. بهذا المعنى لم تعد المشكلة في جملة قالها ممثل أو فيديو نشرته وزارة، بل في بنية كاملة تستخدم الفن والإعلام لإعادة صياغة الفشل الرسمي في صورة نصيحة أخلاقية موجهة للمواطن.
وعليه انتهت الحملة إلى نتيجة معاكسة تمامًا لما أُريد لها، إذ لم تقنع الناس بترشيد الاستهلاك بقدر ما أقنعتهم بأن الحكومة تعجز عن مواجهة أصل الأزمة، فتستدعي فنانًا ليتكلم بدلًا منها، وتستدعي إعلاميًا ليلوم الناس نيابة عنها. وحين تصل السلطة إلى هذه النقطة، يصبح ظهور الفنان نفسه خبرًا عن الفشل، لا وسيلة لإخفائه، وتتحول الحملة كلها إلى وثيقة دعائية تثبت ما حاولت إنكاره.

