أعادت الحكومة المصرية فتح باب الجدل حول سياساتها في ملف الغاز، بعد أن تحولت من خطاب الاكتفاء الذاتي الذي روجت له لسنوات إلى توقيع ترتيبات جديدة تربط السوق المصرية بحقل “أفروديت” القبرصي، في مسار لا يغيب عنه الشريك الإسرائيلي.

 

ففي 30 مارس 2026، شهد وزير البترول المصري ونظيره القبرصي توقيع اتفاقية تستهدف تسريع ربط الحقل بمصر عبر خط بحري بطول يقارب 280 كيلومترًا وصولًا إلى بورسعيد. وبعد أقل من أسبوعين، أعلنت “نيو ميد” الإسرائيلية، الشريكة في الحقل، توقيع مذكرة شروط ملزمة لبيع كامل كميات الغاز القابلة للاستخراج إلى “إيجاس” المصرية لمدة 15 عامًا، مع إمكانية التمديد 5 سنوات إضافية.

 

وبذلك لم يعد الأمر مجرد تعاون فني بين القاهرة ونيقوسيا، بل صار اتفاقًا موثقًا تتصدره شركة إسرائيلية داخل الكونسورتيوم الذي يبيع الغاز لمصر، بينما تتكفل الدولة المصرية بتهيئة المسار والبنية التي تضمن عبوره إلى شبكتها القومية.

 

هذه الوقائع لم تأت في فراغ سياسي أو اقتصادي، لأن مصر دخلت التوقيع الجديد وهي أصلًا تحت ضغط نقص الإمدادات وارتفاع كلفة الطاقة واتساع الاعتماد على الغاز المستورد. رويترز نقلت في 30 مارس 2026 أن الاتفاق الإطاري بين مصر وقبرص جاء بينما تعاني القاهرة من تداعيات الحرب في المنطقة على قطاع الطاقة، وهو ما انعكس بالفعل في رفع أسعار الوقود والنقل وفرض إجراءات تقشف وإغلاق مبكر للمحال.

 

وجاء إعلان 9 أبريل ليؤكد أن “إيجاس” لن تحصل على جزء من إنتاج الحقل فقط، بل على كل الكميات القابلة للاستخراج من “أفروديت” وفق مذكرة ملزمة، بينما ينظم اتفاق حكومي موازٍ إنشاء وتمويل وتشغيل خط النقل المطلوب إلى مصر. هكذا ظهر المشهد كاملًا: دولة تبحث عن الغاز بأي ثمن سياسي، وشركة إسرائيلية تتحرك من موقع الشريك الأصلي في الحقل إلى موقع المستفيد المباشر من السوق المصرية.

 

من اتفاق مارس إلى مذكرة أبريل.. القاهرة تثبت المسار وقبرص تبيع والشريك الإسرائيلي يقبض

 

في 30 مارس 2026، أعلنت وزارة البترول المصرية أن الاتفاق الموقع مع الجانب القبرصي يهدف إلى تسريع تنمية حقل “أفروديت” وربطه بمصر عبر خط أنابيب بحري يصل إلى الشبكة القومية في بورسعيد. هذا الإعلان الرسمي لم يذكر الشركة الإسرائيلية في الواجهة، لكنه ثبت الإطار الحكومي الذي يسمح بتطوير الحقل ونقل إنتاجه إلى الداخل المصري.

 

ثم في 9 أبريل 2026، اتضحت الصورة التجارية كاملة عندما أعلنت “نيو ميد” الشريكة في الحقل أن مذكرة شروط ملزمة جرى توقيعها لبيع جميع كميات الغاز القابلة للاستخراج من “أفروديت” إلى “إيجاس” لمدة 15 عامًا، مع قابلية التمديد 5 سنوات. وكالة الأناضول نقلت أيضًا أن الاتفاق يجري وفق آلية “خذ أو ادفع”، بما يلزم مصر بسداد قيمة الكميات المتفق عليها حتى إذا لم تستهلكها بالكامل.

 

وبعد ذلك، أوضحت النشرة المتخصصة في شؤون الطاقة أن الشركاء الذين وقعوا الترتيب هم “شيفرون” بنسبة 35% و“شيل” بنسبة 35% و“نيو ميد” بنسبة 30% إلى جانب الشركة القبرصية للهيدروكربونات، كما أن الاتفاق الحكومي الموازي ينظم إنشاء البنية اللازمة لنقل الغاز من قبرص إلى مصر. لذلك فإن حضور “نيو ميد” ليس تفصيلًا جانبيًا، بل جزء أصيل من البيع والتنفيذ والتمويل.

 

وفي هذا السياق، ربط نائب رئيس هيئة البترول الأسبق مدحت يوسف بين تراجع إنتاج “ظُهر” وأخطاء إدارة الملف من جانب الحكومة، معتبرًا أن خسارة مصر لهذا الزخم دفعتها إلى استيراد الغاز من إسرائيل بعقدين في 2018 و2025. هذه الشهادة لا تخص اتفاق “أفروديت” وحده، لكنها تضعه في سياق موثق: السلطة لم تنتقل من أزمة عابرة إلى صفقة عابرة، بل من سوء إدارة داخلي إلى اعتماد خارجي متكرر.

 

الشريك الإسرائيلي ليس هامشًا في الصفقة.. بل طرف ثابت في البيع والنقل وشروط السداد

 

من هذه النقطة، يصبح السؤال السياسي أكثر مباشرة من أي بيان رسمي، لأن الحكومة المصرية لم تتعاقد مع دولة قبرص فقط، بل دخلت عمليًا في صفقة يتقاسم عوائدها كونسورتيوم يضم شركة إسرائيلية واضحة الاسم والحصة. الأناضول ذكرت أن “نيو ميد” أعلنت بيع كامل احتياطيات الحقل المقدرة بنحو 100 مليار متر مكعب إلى مصر، وأن الاتفاق يمتد 15 عامًا مع بند تمديد إضافي.

 

وفي الموازاة، تؤكد المواد المنشورة عن الاتفاق أن خط النقل نفسه يخضع لاتفاق حكومي ينظم “الإنشاء والتمويل والتشغيل”، وهو ما يعني أن المنفعة الإسرائيلية لا تقف عند حدود المشاركة في الحقل، بل تمتد إلى البنية التي تضمن تدفق الغاز إلى مصر. وبهذا المعنى، لا يصح وصف “نيو ميد” كمراقب أو مساهم بعيد، لأن موقعها داخل الهيكل التعاقدي موقع تنفيذي وتجاري ثابت.

 

وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن أرقام الترشيد التي تتحدث عنها الحكومة لم تحقق الهدف منها، وإن خسائر الإغلاق والتقشف يتحملها المواطن والقطاع الاقتصادي المصري. أهمية هذا التقدير أنه يكشف تناقضًا صارخًا: الدولة تفرض كلفة داخلية على السوق والمواطن، بينما توسع في الوقت نفسه ارتباطها الخارجي بمصادر غاز تشارك فيها شركات إسرائيلية.

 

وعندما تجمع هذه الوقائع معًا، يظهر أن الدولة المصرية لم تتجه إلى هذا المسار تحت عنوان تصدير الفائض كما كان يقال سابقًا، بل تحت ضغط الحاجة إلى تأمين الإمدادات. لذلك لم يعد الملف مجرد تعاون إقليمي في شرق المتوسط، بل صار انتقالًا رسميًا من خطاب الاستقلال إلى واقع الارتهان، ومن وعود الاكتفاء إلى عقود تضمن للشريك الإسرائيلي سوقًا طويلة الأجل داخل مصر نفسها.

 

أزمة محلية ممتدة وصفقة طويلة الأجل.. السلطة تعالج النقص بتوسيع التبعية

 

رويترز ذكرت بوضوح أن اتفاق 30 مارس 2026 جاء بينما تواجه مصر ضغوطًا في قطاع الطاقة نتيجة الاضطراب الإقليمي، وأن الحكومة لجأت إلى رفع أسعار الوقود والنقل وفرض العمل من المنزل والإغلاق المبكر لبعض الأنشطة. هذه الخلفية مهمة لأنها تثبت أن الصفقة لم تُبرم في ظرف مريح، بل في لحظة عجز داخلي يدفع القاهرة إلى البحث السريع عن إمدادات جديدة.

 

ثم جاء تقدير الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب ليضيف بعدًا آخر، إذ قال إن أزمة الغاز ومشكلات الطاقة ليست جديدة في مصر، وإن التعامل معها يجب أن يتم عبر خطة طويلة الأمد بعيدًا عن منطق معالجة الأزمة فقط، مقترحًا التوسع في الطاقة الشمسية واستكشاف حقول غاز جديدة. هذا الكلام يضع الاتفاق الحالي في موضع الاتهام، لأنه يعالج النقص بعقد خارجي طويل بدل إصلاح الخلل البنيوي.

 

وبناء على ذلك، تبدو الصفقة الحالية توثيقًا جديدًا لمسار أوسع لا لواقعة منفصلة. فالحكومة المصرية ثبتت في مارس الإطار الرسمي لربط الحقل بمصر، ثم ظهرت في أبريل المذكرة الملزمة التي تمنح “إيجاس” كامل الغاز القابل للاستخراج من حقل يضم شريكًا إسرائيليًا معلنًا، مع اتفاق ينظم بناء خط النقل وتشغيله. هذه ليست صيغة اضطرار مؤقت، بل التزام طويل يكرس الاعتماد ويمنح إسرائيل موضعًا أعمق في أمن الطاقة المصري.

 

وأخيرًا، تكشف هذه الوثائق أن الأزمة لم تعد في نقص الغاز فقط، بل في اتجاه القرار نفسه. فبينما تتحمل السوق المصرية كلفة التقشف وارتفاع الأسعار، تمضي السلطة في ربط احتياجاتها المستقبلية بمشروع تتقاطع فيه المصالح القبرصية والأميركية والإسرائيلية، وتجلس فيه “نيو ميد” داخل قلب الصفقة لا على هامشها. لذلك فإن أخطر ما في الاتفاق ليس اسمه التجاري، بل ما يثبته سياسيًا: السلطة توسع اعتماد مصر على مسار يخدم الاقتصاد الإسرائيلي في لحظة تقول فيها إنها تحمي الاقتصاد المصري.