تشهد منظومة إنتاج الغاز الطبيعي تحديات متصاعدة مع تراجع إنتاج حقل «ظهر»، أحد أكبر الاكتشافات الغازية في شرق المتوسط، في ظل ضغوط فنية متزايدة تهدد استدامة الإمدادات وتضع قطاع الطاقة أمام اختبار حقيقي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات تقودها شركة إيني الإيطالية، المشغل الرئيسي للحقل، لمحاولة احتواء التراجع واستعادة التوازن الإنتاجي عبر خطط فنية جديدة.
وتشير التقديرات إلى أن معدلات الإنتاج داخل الحقل تعرضت لضغوط متراكمة نتيجة سياسات استخراج مكثفة خلال السنوات الماضية، حيث جرى تسريع وتيرة السحب لتلبية الطلب المحلي المتزايد وتحقيق وفرة سريعة في الإمدادات.
غير أن هذه السياسات، وفق خبراء، أسهمت في استنزاف الخزانات بوتيرة تفوق المعدلات الفنية الآمنة، ما انعكس سلباً على الضغط الطبيعي داخل المكامن وأدى إلى تراجع تدريجي في الإنتاج.
في هذا السياق، برزت مخاوف فنية تتعلق بتأثر البنية الجيولوجية للحقل، خاصة مع تسجيل مؤشرات على تسرب المياه إلى بعض الآبار، وهو ما يعد من التحديات المعقدة في صناعة الغاز، إذ يؤدي إلى تقليص كفاءة الاستخراج ويزيد من صعوبة استعادة مستويات الإنتاج السابقة.
وتؤكد هذه التطورات أن الحقل دخل مرحلة أكثر حساسية تتطلب تقنيات متقدمة وإدارة دقيقة للحفاظ على ما تبقى من طاقته الإنتاجية.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، تستعد إيني، بالتعاون مع شركاء إقليميين، لتنفيذ برنامج حفر جديد يتضمن 4 آبار إضافية خلال عام 2026، في خطوة تستهدف تعويض التراجع الطبيعي وتعزيز القدرة الإنتاجية للحقل.
ووفق تصريحات وزير البترول الأسبق أسامة كمال، فإن هذه التحركات تأتي ضمن استراتيجية لإطالة عمر الحقل والحفاظ على استمرارية تشغيله، رغم التحديات المتزايدة.
غير أن هذه الجهود تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول الفجوة بين التوقعات التي صاحبت اكتشاف «ظهر» والواقع الحالي، حيث كان يُنظر إلى الحقل باعتباره ركيزة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز، بل وتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة. إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن هشاشة هذا التصور في ظل غياب التوازن بين معدلات الإنتاج ومتطلبات الاستدامة الفنية.
ويؤكد متخصصون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بعوامل طبيعية، بل تعكس أيضاً اختلالات في إدارة الموارد، إذ أدت الضغوط لتحقيق معدلات إنتاج قياسية في فترات زمنية قصيرة إلى تحميل الحقل بأعباء تشغيلية تفوق قدرته التصميمية.
هذا النهج، بحسب التقديرات، ساهم في إضعاف الخزانات وتقليص قدرتها على التعافي، ما يضع مستقبل الإنتاج أمام سيناريوهات أكثر تعقيداً.
في المقابل، تواصل إيني التزامها بالعمل في المنطقة، رغم تقارير تشير إلى مراجعة استراتيجياتها الاستثمارية نتيجة ارتفاع التكاليف وتراجع العوائد. وتحتاج عمليات التطوير الحالية إلى تقنيات متقدمة في الحفر وإدارة المكامن، ما يرفع من كلفة الإنتاج ويزيد من تعقيد المشهد.
ومع استمرار التحديات، يبقى ملف تأمين احتياجات السوق المحلي من الغاز الطبيعي في دائرة القلق، خاصة في ظل تزايد الطلب الداخلي واعتماد قطاعات حيوية على استقرار الإمدادات.

