قفزت أزمة الطاقة في مصر خلال الأيام الأخيرة من مستوى الضغط المالي المزمن إلى مستوى الانكشاف الكامل داخل أجهزة الدولة نفسها، بعد وصول مديونية وزارة الكهرباء لصالح وزارة البترول إلى 430 مليار جنيه بنهاية الأسبوع الأول من أبريل، وفق ما كشفه مصدر بوزارة المالية، في وقت كان عبد الفتاح السيسي قد أقر الشهر الماضي بأن وزارة الكهرباء تسدد سنويا نحو 100 مليار جنيه فقط مقابل منتجات بترولية تصل كلفتها الفعلية إلى 600 مليار جنيه.

 

هذا الفارق الضخم لم يعد رقما محاسبيا معلقا بين وزارتين، بل صار دليلا مباشرا على فشل الحكومة في إدارة ملف الطاقة طوال سنوات، ثم لجوئها مجددا إلى نقل آثار هذا الفشل إلى الشارع عبر الترشيد القسري ورفع الأسعار وتشديد القيود على النشاط التجاري، بدلا من معالجة أصل الأزمة داخل بنية الإنتاج والتسعير والتمويل.

 

تكشف التطورات المتلاحقة منذ مارس أن الحكومة لم تتعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران باعتبارها ظرفا طارئا فقط، بل اتخذتها مبررا لتوسيع إجراءات التقشف في ملف الطاقة، فرفعت أسعار الوقود بمقدار 3 جنيهات، ثم فرضت غلقا مبكرا على المحال والمراكز التجارية والمطاعم اعتبارا من 27 مارس عند 9 مساء، قبل أن تعود وتخفف الإجراء إلى 11 مساء حتى نهاية أبريل بعد توقف الحرب الإيرانية. هذا المسار الزمني يوضح أن السلطة لم تكن تتحرك وفق خطة مستقرة لإدارة السوق، بل وفق ردود فعل مرتبكة تحاول خفض فاتورة الاستيراد من جهة، وتجنب غضب شعبي واسع من جهة أخرى، بينما تبقى الأزمة الأصلية كما هي، وهي أن قطاع الكهرباء يستهلك طاقة لا يستطيع سداد ثمنها الحقيقي، وأن الحكومة تؤجل الانفجار المالي بنقل العبء تدريجيا إلى المواطنين والأنشطة الاقتصادية.

 

مديونية تتضخم وعجز حكومي ينتقل من الدفاتر إلى الشارع

 

تكشف الأرقام المتداولة بين مطلع أبريل والأسبوع الأول من الشهر نفسه أن مديونية الكهرباء للبترول لم تتوقف عند مستوى 390 مليار جنيه الذي جرى تداوله مطلع الشهر، بل واصلت الصعود إلى 430 مليار جنيه خلال أيام قليلة، وهو تطور يوضح أن الأزمة تتحرك بسرعة أكبر من قدرة الحكومة على احتوائها. هذا الارتفاع جاء بالتزامن مع زيادة فاتورة وقود محطات الكهرباء بنسبة 87 بالمئة خلال شهري فبراير ومارس، ما أكد أن الضغط لا يقع على بند واحد، بل على مجمل منظومة الإمداد والتمويل معا.

 

ثم جاء اعتراف السيسي في مارس بأن وزارة الكهرباء تدفع 100 مليار جنيه فقط مقابل تكلفة فعلية تبلغ 600 مليار جنيه ليمنح صورة أوضح عن حجم الفجوة السنوية داخل القطاع، وهي فجوة تبلغ نحو 500 مليار جنيه تتحملها وزارة البترول أو تؤجل آثارها إلى موازنة الدولة والدين الداخلي بين الهيئات. هذا الاعتراف لم يقدم معالجة، بل كشف أن السلطة كانت تدير عجزا معروفا لديها منذ فترة، ثم تركته يتراكم حتى صار رقما يهدد استدامة الإمدادات نفسها.

 

كما أكد وزير المالية أحمد كجوك أمس أن تكلفة دعم الطاقة قد تصل إلى 600 مليار جنيه خلال السنة المالية 2026-2027، وهو رقم ينسجم مع ما أعلنه السيسي عن الفجوة السنوية في الكهرباء، ويعني أن الحكومة لا تتجه إلى امتصاص الأزمة، بل إلى إعادة توزيعها داخل الموازنة بشكل مؤقت حتى يحين موعد تحميلها للمستهلكين. هذا الترابط بين رقم الدعم ورقم الفجوة يظهر أن الدولة لم تغلق العجز، بل أعادت تعريفه فقط تحت مسميات مختلفة.

 

وفي هذا السياق قال المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق إن مصر تواجه تحديات كبيرة في ملف توفير الطاقة بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية، وإن ترشيد الاستهلاك أصبح ضرورة للحفاظ على الموارد وتقليل الضغط على الموازنة. أهمية هذا التقدير لا تتوقف عند توصيف الأزمة، بل تمتد إلى تأكيد أن الدولة باتت أسيرة كلفة الاستيراد في قطاع يفترض أنه حيوي ولا يحتمل هذا القدر من الهشاشة المالية.

 

ترشيد قسري وغلق مبكر ورفض رسمي لتخفيف الأحمال

 

دفعت هذه الفجوة المالية الحكومة إلى تبني سياسة أكثر تشددا في ترشيد الطاقة، وفق المصدر بوزارة المالية، مع الإصرار على استمرار إجراءات الترشيد التي بدأت مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بدلا من العودة إلى تخفيف الأحمال كما جرى في أعوام سابقة. هذا الاختيار لا يعكس فقط اعتبارات فنية، بل يكشف أن الحكومة رأت في الغلق الإداري للمحال أداة أقل كلفة سياسيا من قطع الكهرباء المباشر عن المنازل والأحياء.

 

وبناء على ذلك أصدر مصطفى مدبولي في 27 مارس القرار رقم 909 لسنة 2026 بغلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم عند 9 مساء، مع استثناء محدود لبعض الأيام، ثم أعلن في 9 أبريل تعديل موعد الغلق إلى 11 مساء حتى نهاية أبريل بعد وقف إطلاق النار. هذا التعديل السريع لم يلغ جوهر السياسة، بل أكد أن الدولة تستخدم مواعيد الغلق كأداة تشغيل يومي لإدارة نقص الطاقة وكبح الاستهلاك في السوق.

 

بعد ذلك أوضح المصدر نفسه أن الحكومة تستبعد تخفيف الأحمال لأن هذا الخيار قد يرفع الاستياء الشعبي، خاصة بعد موجة ارتفاع الأسعار الناتجة عن زيادة البنزين والسولار. هذا الربط بين الغضب الشعبي وقرار التشغيل يكشف أن السلطة لم تعد تناقش فقط كفاءة الشبكة أو وفرة الوقود، بل صارت تدير الملف بمنطق حساب رد الفعل الاجتماعي، وهو ما يؤكد أن أزمة الطاقة خرجت من نطاق الإدارة الفنية إلى نطاق الأزمة السياسية اليومية.

 

وفي قراءة مباشرة لجدوى هذه السياسة قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن الأرقام التي أعلنها وزير الكهرباء تعني أن خطة الترشيد لم تحقق هدفها، وأضاف أن الوفر الناتج عن خفض استهلاك الوقود والكهرباء يقل كثيرا عن تكلفة تنفيذ خطة الترشيد وإغلاق المحال. هذا الرأي يضع الحكومة أمام مأزق واضح، لأن الإجراء الذي يضغط على السوق والتجار لا يضمن في المقابل وفرا يوازي كلفته الاقتصادية والاجتماعية.

 

رفع الدعم يتقدم والأسعار التجارية تتصدر والمخارج تضيق

 

يتضح من المعلومات الواردة من وزارة المالية أن الحكومة تتجه إلى رفع الدعم عن الكهرباء نهائيا خلال العام المالي 2027-2028 مع الإبقاء على دعم محدود للشرائح الأقل استهلاكا، بالتوازي مع زيادة أسعار الكهرباء الموجهة للأنشطة التجارية والصناعية. هذا الاتجاه يعني أن السلطة لا تقدم حلا للمديونية القائمة، بل تجهز الأرض لتمريرها إلى الفاتورة النهائية التي يدفعها المستهلك والتاجر والمصنع خلال الفترة المقبلة.

 

وجاء هذا المسار بعد أن رفعت الحكومة في مارس أسعار الوقود بكافة مشتقاته بمقدار 3 جنيهات بدعوى صعود أسعار النفط عالميا بسبب الحرب، كما اضطرت في أبريل إلى رفع أسعار الكهرباء للمستهلكين الأعلى استهلاكا وللقطاع التجاري للحد من الضغوط المالية. هذا التتابع الزمني يوضح أن الدولة بدأت بالفعل في تنفيذ سياسة استرداد الكلفة قبل الموعد المعلن لرفع الدعم الكامل، ولكنها تفعل ذلك على مراحل متتالية حتى لا تتحمل دفعة سياسية واحدة.

 

وفي هذا الإطار قال الدكتور أحمد خطاب الخبير الاقتصادي إن قرار الإغلاق المبكر يخفف استهلاك الطاقة لكنه يضغط على المواطنين ويضر بالتجار، وهو تقدير يتسق مع ما يجري على الأرض، لأن الحكومة تختار إجراءات تحقق وفرا جزئيا في الوقود بينما توسع في المقابل دائرة الخسائر داخل السوق المحلي. هذا التوازن المختل يظهر أن السياسة الحالية لا تعالج أصل الأزمة، بل تعيد توزيع آثارها على الحلقة الأضعف اقتصاديا.

 

وفي الوقت نفسه قال المصدر بوزارة المالية إن استمرار هذه السياسات قد يدفع الحكومة إلى تسريع خطط التوسع في الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتخفيف الأعباء المالية على الموازنة. غير أن هذا الطرح يأتي بينما تعاني الدولة بالفعل من ضغوط على الموارد الدولارية وارتفاع فاتورة الواردات البترولية، ما يعني أن التحول إلى البدائل لا يظهر هنا كخطة مكتملة، بل كمسار مؤجل تستخدمه الحكومة لتفسير أزمة قائمة لم تنجح بعد في وقف تمددها.

 

وهكذا ينتهي المشهد الحالي إلى نتيجة مباشرة لا تحتمل التخفيف، وهي أن الدولة راكمت مديونية ضخمة داخل قطاع الطاقة ثم قررت إدارتها عبر الغلق المبكر ورفع الأسعار والتمهيد لإلغاء الدعم، بينما بقيت الأسباب البنيوية للأزمة قائمة من دون معالجة حقيقية. هذه النتيجة تجعل رقم 430 مليار جنيه أكثر من مجرد مديونية بين وزارتين، لأنه صار علامة موثقة على أن الحكومة تنقل فشلها المالي والتنفيذي إلى المجتمع، وتطلب من المواطنين والتجار والصناعة أن يسددوا كلفة هذا الفشل على دفعات متتابعة.