عادت أسعار الوقود إلى واجهة الغضب الاجتماعي في مصر بعد الزيادة التي أقرتها الحكومة في مارس، في وقت كانت فيه الأسواق تعاني أصلًا من ضغوط تضخمية وتراجع في القوة الشرائية وارتفاع متواصل في كلفة النقل والإنتاج.
ولم يظهر القرار في صورة إجراء فني معزول، لأن توقيته جاء وسط حرب إقليمية رفعت أسعار الطاقة وأربكت سلاسل الإمداد، كما جاء في ظل التزامات قائمة مع صندوق النقد الدولي لخفض دعم الطاقة والعودة إلى آلية التسعير التلقائي.
وبذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بسبب الزيادة الأخيرة، بل بطبيعة السياسة الاقتصادية نفسها، وهل تتعامل الحكومة مع الوقود باعتباره ملفًا ماليًا لحسابات الصندوق، أم باعتباره سلعة تمس حياة ملايين المواطنين الذين يدفعون ثمن كل زيادة في النقل والغذاء والخدمات.
وقد أظهرت رويترز أن الأسعار ارتفعت بنسب تراوحت بين 14% و17% في 9 مارس، بينما أكد الصندوق في فبراير استئناف آلية التسعير التلقائي بنهاية يونيو 2026.
جاءت هذه الزيادة أيضًا في لحظة مالية شديدة الحساسية، لأن الحكومة كانت تواجه قفزة في فاتورة استيراد الطاقة وضغوطًا على المالية العامة وتباطؤًا في النشاط الخاص غير النفطي.
وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن فاتورة واردات الطاقة زادت إلى أكثر من الضعف منذ اندلاع الحرب، فيما ذكرت رويترز أن الحكومة لجأت بعد ذلك إلى رفع أسعار الكهرباء للشريحة الأعلى استهلاكًا وللقطاع التجاري، وإلى إبطاء بعض المشروعات الحكومية كثيفة استهلاك الوقود وخفض مخصصات الوقود للجهات الحكومية بنسبة 30%.
ومع كل هذه الإجراءات، بقي العبء ينتقل تدريجيًا إلى المستهلك النهائي، بينما واصلت الحكومة تقديم الزيادة باعتبارها استجابة لظروف استثنائية رغم أن وثائق الصندوق نفسها تربطها بإصلاحات تسعير وهيكل دعم بدأت قبل الحرب الحالية.
رفع الوقود بين تعهدات الصندوق وإنكار الضرورة الإنتاجية
قال الدكتور حسن الصادي أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة إن قرار رفع أسعار الوقود لا يرتبط مباشرة بالحرب أو بنقص الإمدادات، بل يرتبط أساسًا بضغوط برنامج الإصلاح الاقتصادي المرتبط بصندوق النقد الدولي.
وأضاف الصادي أن مصر تنتج نحو 65% من احتياجاتها البترولية، بما يعني أن القرار لم يكن حتميًا من زاوية الإنتاج بقدر ما كان التزامًا ماليًا وهيكليًا فرضته التفاهمات الدولية.
ثم تؤكد وثائق الصندوق هذا الاتجاه بصورة أوضح، إذ تنص على أن الحكومة حققت استرداد التكلفة للمنتجات الخاضعة لآلية التسعير، وأن الآلية التلقائية ستعود بنهاية يونيو 2026، كما تتوقع الوثائق نفسها تراجع دعم المحروقات بنحو 97 مليار جنيه خلال السنة المالية 2025-2026 نتيجة تعديلات الأسعار التي جرى تنفيذها بالفعل على الوقود والسولار والمازوت والغاز.
وبعد ذلك يكتسب تحذير الصادي وزنًا أكبر، لأنه قال أيضًا إن رفع أسعار الوقود يرسل أحيانًا رسالة سلبية إلى الأسواق، لأنه يكشف عن ضغوط مالية داخلية رغم تعدد الموارد التي كان يمكن توجيهها لتخفيف أثر القرار. وعندما يقترن هذا الكلام بنصوص الصندوق عن تقليص الدعم وبتكرار الزيادات منذ 2024 و2025 و2026، يظهر أن الحكومة لا تتحرك فقط وفق سوق الطاقة، بل وفق جدول تصحيحي يضع الكلفة الاجتماعية في مرتبة تالية.
زيادة السعر تنتقل من المحطة إلى الموازنة ثم إلى جيب المواطن
بعد الزيادة الأخيرة، انتقل الأثر سريعًا من محطات الوقود إلى بنود أوسع في الموازنة وفي معيشة الأسر. فقد ذكرت رويترز أن سعر السولار ارتفع إلى 20.50 جنيه للتر، وأن أسعار البنزين ارتفعت إلى 20.75 جنيه لبنزين 80 و22.25 جنيه لبنزين 92 و24 جنيهًا لبنزين 95. ثم تلت ذلك زيادات في تعريفة المواصلات ورفع أسعار الكهرباء للشرائح الأعلى استهلاكًا وللقطاع التجاري بدءًا من أبريل.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد فؤاد إن الزيادة تكشف مفارقة قاسية في إدارة الملف الاقتصادي، لأن الحكومة ترفع السعر بحجة تخفيف العبء عن الموازنة، ثم تخسر جزءًا مهمًا من هذا الوفر عندما يغذي القرار التضخم ويؤخر خفض الفائدة ويبقي كلفة خدمة الدين مرتفعة. ويضع هذا التقدير القرار داخل حلقة مالية أوسع، لا داخل خانة دعم الوقود فقط.
ثم دعمت الأرقام الرسمية هذا المسار، إذ أعلن البنك المركزي المصري أن التضخم الأساسي السنوي بلغ 14.0% في مارس، بينما أظهرت بيانات رويترز أن مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي هبط إلى 48.0 في مارس، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 2024. وعندما ترتفع تكلفة الطاقة في لحظة ينكمش فيها النشاط الخاص، فإن أثر القرار يتسع من الموازنة إلى الأسعار ثم إلى التشغيل والاستثمار.
الثقة التي تتحدث عنها الحكومة تصطدم بالدين والتضخم وسوق مرتبكة
مع ذلك، قال الصادي إن الاقتصاد المصري أظهر قدرًا من المرونة، لأن البنك المركزي احتوى خروج الأموال الساخنة وأعاد جذبها دون انهيار في سوق الصرف، كما قال إن تعدد مصادر العملة الصعبة وعلى رأسها تحويلات المصريين في الخارج ما زال عنصر قوة مهمًا. لكن هذه الرواية المتفائلة تصطدم بوقائع مالية قاسية تتعلق بالدين وخدمة الفوائد وكلفة استيراد الطاقة.
وفي هذا الإطار، قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح إن ضغوط الحرب وارتفاع أسعار الوقود تدفع البنك المركزي إلى الحذر، لأن الأولوية الحالية أصبحت حماية استقرار الجنيه واحتواء التضخم أكثر من دعم النمو. كما ربط أبو الفتوح بين تسارع الأسعار وبين محدودية أثر أي زيادات في الأجور، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست في رقم الدخل وحده بل في أن الأسعار تتحرك أسرع من دخول المواطنين.
ثم تزيد المؤشرات الرسمية والمالية هذا التناقض وضوحًا، لأن رويترز ذكرت أن فوائد الدين تستهلك نحو نصف الإنفاق الحكومي، وأن وزير المالية أحمد كجوك قال إن خدمة الدين سترتفع 5% في موازنة 2026-2027. كما أظهر الصندوق أن خفض الدعم وتعديلات أسعار الطاقة يهدفان إلى فتح حيز مالي أوسع، ما يعني أن الدولة تعالج ضغوطها المالية عبر تحميل جزء معتبر من الكلفة إلى المستهلك بدلا من تغيير جذور الاختلال الاقتصادي.
وهكذا لا يبدو رفع أسعار الوقود قرارًا عابرًا فرضته الحرب وحدها، ولا إجراءً محليًا خالصًا فرضته التكلفة وحدها، بل يظهر بوصفه نقطة تقاطع بين التزامات صندوق النقد وأزمة طاقة متصاعدة وموازنة مثقلة بالدين وحكومة تختار تمرير الكلفة إلى المجتمع. وعندما تقول السلطة إن السوق صمد، بينما ترتفع الأسعار ويتراجع النشاط ويضيق هامش المعيشة، فإن الوقائع نفسها تقول إن الصمود الرسمي شيء، وما يدفعه المواطن في حياته اليومية شيء آخر تمامًا.

