أعادت إيطاليا فتح الجرح السياسي والقضائي المرتبط بمقتل الباحث جوليو ريجيني، بعدما تحول قرار حكومي برفض تمويل فيلم وثائقي عنه إلى أزمة داخل لجنة السينما التابعة لوزارة الثقافة. وجاء القرار في لحظة ما زالت فيها القضية حاضرة داخل القضاء والإعلام والجامعة والبرلمان، وهو ما جعل الواقعة الجديدة تتجاوز حدود الدعم الفني، وتتحول إلى سؤال مباشر عن معنى استبعاد عمل يوثق جريمة لم تغب عن الوعي العام الإيطالي منذ يناير 2016.

 

لم يبد الجدل الجديد منفصلًا عن أصل القضية، لأن استبعاد الفيلم تزامن مع استمرار المحاكمة الغيابية بحق 4 مسؤولين أمنيين مصريين، ومع تصاعد انتقادات عائلة ريجيني للحكومات الإيطالية المتعاقبة بسبب الإبقاء على العلاقات الوثيقة مع القاهرة رغم تعثر الوصول إلى الحقيقة الكاملة. ولذلك عاد اسم ريجيني إلى صدارة المشهد الأوروبي بوصفه ملفًا لم يُغلق سياسيًا ولا قضائيًا ولا أخلاقيًا.

 

فيلم مرفوض واستقالات كشفت عمق الأزمة

 

جاءت شرارة الأزمة عندما حُرم الفيلم الوثائقي "جوليو ريجيني.. كل الشرور في العالم" من أي حصة في برنامج دعم انتقائي تبلغ موازنته نحو 14 مليون يورو. وكان العمل، الذي أخرجه سيموني مانيتّي، قد حصل قبل ذلك على جائزة "شريط الشرعية" لعام 2026، كما بدأ عرضه بالفعل خارج القنوات الرسمية، وهو ما ضاعف التساؤلات حول أسباب استبعاده.

 

ثم زادت الأزمة اتساعًا عندما استقال باولو ميريغيتي وماسيمو جاليمبيرتي من لجنة التقييم في وزارة الثقافة خلال الساعات نفسها التي انفجر فيها الجدل. ولم يربط الاثنان استقالتيهما نصًا بالفيلم، لكن التزامن السياسي والإعلامي أعطى القرار دلالة واضحة، خصوصًا أن ميريغيتي يُعد من أبرز نقاد السينما في إيطاليا، وأن الاستقالات أضعفت رواية الوزارة عن سلامة المسار الإجرائي.

 

كما دفعت الواقعة الحزب الديمقراطي وأحزابًا معارضة أخرى إلى مطالبة وزير الثقافة أليساندرو جولي بتقديم تفسير رسمي داخل البرلمان. ورد الوزير في 8 أبريل 2026 قائلًا إنه لا يشارك اللجنة قرارها "لا أخلاقيًا ولا من حيث المبدأ"، لكنه تمسك باستقلالها وذكر أن العمل رُفض أيضًا في 2024 و2025، من دون أن يوقف ذلك موجة الشكوك بشأن الطابع السياسي للقرار.

 

وبعد ذلك منح وجود باولو ميريغيتي داخل هذا العنوان الفرعي وزنًا مهنيًا مباشرًا، لأن الرجل ليس ناشطًا سياسيًا بل ناقدًا سينمائيًا وصاحب أحد أشهر المراجع السينمائية في إيطاليا. ولذلك حملت استقالته معنى يتجاوز الاعتراض الإداري، إذ كشفت أن الجدل لم يعد بين الحكومة والمعارضة فقط، بل وصل إلى قلب الهيئة التي يفترض أنها تقيم الأعمال بمعايير فنية مستقلة.

 

القضية القضائية مستمرة والاتهامات تطارد 4 مسؤولين أمنيين

 

أعادت هذه الأزمة الثقافية الانتباه فورًا إلى أصل الملف القضائي، لأن جوليو ريجيني اختفى في القاهرة يوم 25 يناير 2016، ثم عثرت السلطات على جثمانه في 3 فبراير 2016 وعليه آثار تعذيب شديد. وكان ريجيني باحثًا في شؤون النقابات العمالية ودارس دكتوراه في جامعة كمبردج، وقد أثارت طريقة قتله غضبًا واسعًا داخل إيطاليا وخارجها منذ الأيام الأولى.

 

ثم مضى القضاء الإيطالي في ملاحقة القضية رغم العوائق، إذ استأنفت محكمة روما في يناير 2026 المحاكمة الغيابية بحق 4 مسؤولين أمنيين مصريين بعد قرار من المحكمة الدستورية الإيطالية أزال عقبة إجرائية مهمة. ويتهم الادعاء الإيطالي هؤلاء المسؤولين بالتورط في خطف ريجيني وتعذيبه وقتله، بينما استمرت القاهرة في نفي أي صلة لأجهزتها الأمنية بالجريمة.

 

كما أعطت المحامية أليساندرا باليريني، وهي وكيلة أسرة ريجيني والمتخصصة في قضايا حقوق الإنسان، بعدًا قانونيًا مباشرًا لهذا المسار عندما قالت في فبراير 2026 إن الأسرة "مرهقة لكنها قريبة من الهدف". ثم صعدت لهجتها في مارس 2026 عندما اتهمت الحكومة الإيطالية بارتكاب "مظالم" في إدارة الملف، وبالاستمرار في التعاون مع مصر رغم طبيعة الجريمة وتعثر العدالة.

 

وبالتالي لم يعد استبعاد الفيلم واقعة ثقافية منفصلة، لأن التوقيت أعاد ربطه بمسار قضائي لم ينته بعد وباتهامات ما زالت معلقة أمام محكمة إيطالية. ولذلك بدا القرار بالنسبة إلى قطاعات واسعة داخل إيطاليا كأنه فصل جديد من الصراع على السردية العامة للقضية، لا مجرد خلاف محدود حول أولويات تمويل الأعمال الوثائقية.

 

ريجيني يطارد صورة القاهرة ويحرج الحكومات الإيطالية

 

بعد ذلك اتسع أثر الأزمة إلى ما هو أبعد من وزارة الثقافة، لأن 76 جامعة إيطالية تبنت مبادرة لعرض الفيلم داخل الحرم الجامعي بدفع من دوائر أكاديمية وبرلمانية، وهو ما أظهر أن المؤسسة الجامعية والثقافية لم تتعامل مع العمل بوصفه منتجًا عاديًا. وقد حول هذا الاحتضان الجامعي قرار الاستبعاد إلى قضية رأي عام تمس علاقة الدولة الإيطالية بالحقيقة نفسها.

 

كما ظلت عائلة ريجيني تنتقد علنًا الحكومات الإيطالية المتعاقبة بسبب الإبقاء على العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية مع القاهرة من دون ربط حاسم بين هذه العلاقات وبين كشف الحقيقة. وقد كرر والدا ريجيني في الأيام الأخيرة هذا الموقف، معتبرين أن الدولة الإيطالية لم تستخدم ما يكفي من أدوات الضغط، وأن الجريمة لا تزال بلا محاسبة حقيقية رغم مرور 10 سنوات تقريبًا.

 

وفي هذا السياق يبرز اسم ريكاردو نوري، المتحدث باسم منظمة العفو الدولية في إيطاليا منذ 2003، بوصفه أحد أكثر الأصوات ثباتًا في ملف "الحقيقة لجوليو ريجيني". وقد ارتبط اسمه منذ البداية بحملات المطالبة بالمحاسبة، كما ظل يدفع باتجاه إبقاء القضية حية في الفضاء العام، وهو ما يفسر لماذا يتعامل المدافعون عن حقوق الإنسان مع الفيلم المرفوض باعتباره جزءًا من معركة التوثيق لا مجرد عمل سينمائي.

 

وأخيرًا تكشف الأزمة الجديدة أن قضية ريجيني ما زالت تلاحق النظام المصري دوليًا، وأنها ما زالت في الوقت نفسه تحرج روما كلما تعارض خطاب العدالة مع حسابات المصالح. ولهذا لم يغلق رفض تمويل الفيلم ملف ريجيني، بل أعاد فتحه من أوسع أبوابه، مؤكدًا أن جريمة يناير 2016 لم تتحول إلى ذكرى، بل بقيت اتهامًا مفتوحًا يطارد السياسة والقضاء وصورة القاهرة في أوروبا.