لم يعد قرار إسناد تمثيل مصر لدى صندوق النقد الدولي إلى محافظ البنك المركزي حسن عبد الله مجرد تعديل إداري يمكن تمريره داخل أوراق الجريدة الرسمية بلا مساءلة سياسية واضحة.
فالقرار رقم 938 لسنة 2026 صدر في لحظة تعيش فيها البلاد واحدة من أثقل النتائج التي خلفتها سنوات الاقتراض والتعويم ورفع الأسعار، ثم جاء ليضع في واجهة التمثيل الخارجي المسؤول المرتبط مباشرة بالسياسة النقدية التي دفعت المصريين إلى مزيد من الضغط المعيشي.
ومن هنا اكتسب القرار معنى أوسع من حدود النص القانوني، لأنه لم يعلن فقط اسم من سيجلس على طاولة التفاوض، بل كشف أيضا أن رأس السلطة ماض في الدفاع عن المسار ذاته رغم فشله الواضح.
وحين يدفع السيسي بمحافظ البنك المركزي إلى هذا الموقع بعد كل ما جرى، فإن الرسالة لا تحمل مراجعة أو تصحيحا، بل تحمل إصرارا على تثبيت الجهة نفسها التي أدارت مرحلة اتسعت فيها الديون وارتفعت فيها تكاليف الحياة وتآكلت فيها قدرة المواطنين على الاحتمال.
جاء هذا القرار بينما لم تقدم السلطة أي كشف حساب سياسي أو اقتصادي يفسر لماذا تستمر الوجوه نفسها في قيادة العلاقة مع المؤسسات الدولية رغم النتائج التي يراها الناس يوميا في الأسواق وفواتير الخدمات وأسعار الغذاء والنقل والدواء.
فالحكومة التي قدمت إجراءاتها بوصفها طريقا وحيدا للاستقرار، عادت الآن لتمنح البنك المركزي دورا أكبر في تمثيل مصر أمام الجهات التي ارتبطت برامجها بأشد التحولات قسوة على المجتمع.
ولذلك لم يعد السؤال محصورا في توزيع المقاعد بين الوزراء والمسؤولين، لأن جوهر القرار يتعلق بمن يصوغ التزامات الدولة في الخارج ثم يطلب من الداخل دفع ثمنها.
وهذا هو المعنى الحقيقي الذي أعاد القرار طرحه بقوة، إذ كشف أن السلطة لا ترى في الأزمة سببا لتبديل النهج، بل تعتبرها مبررا لمزيد من إحكام القبضة على مسار تفاوضي أنتج الديون والغلاء ثم طلب من المصريين الصبر على نتائجه.
إعادة توزيع الأدوار تثبت بقاء مركز القرار نفسه
وبناء على القرار رقم 938 لسنة 2026، أصبح محافظ البنك المركزي هو الممثل الرئيسي لمصر لدى صندوق النقد الدولي، إلى جانب تمثيلها في عدد من المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، بينما توزعت مواقع أخرى على وزراء المالية والخارجية والتخطيط. ويعني هذا الترتيب أن الدولة لم تكتف بإعادة تنظيم الحضور الرسمي، بل منحت الملف الأشد حساسية إلى الجهة نفسها التي تصدرت إدارة الأزمة النقدية.
ثم يكتسب هذا الترتيب دلالة أشد وضوحا لأن تمثيل الدولة أمام صندوق النقد لا يظل محصورا في وظيفة شكلية أو بروتوكولية. فالممثل الرسمي لا يكتفي بنقل موقف حكومي جاهز، بل يشارك في بلورة التفاوض حول السياسات النقدية والمالية وشروط القروض ومتابعة الالتزامات. ولذلك بدا القرار تثبيتا لمركز القرار الاقتصادي نفسه لا مجرد توزيع جديد للمناصب.
كما يكشف هذا الاختيار أن السلطة لا تريد إدخال مسافة فاصلة بين من صاغ السياسات ومن يتولى الدفاع عنها خارجيا. فلو كانت هناك مراجعة حقيقية للنهج السابق، لكان منطق السياسة يفرض إعادة النظر في الواجهة التي تمثل البلاد أمام الدائنين. لكن القرار سلك الاتجاه المعاكس، إذ منح المحافظ موقعا أوسع وأعلى في لحظة تتزايد فيها الانتقادات للنتائج لا للتفاصيل فقط.
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن التعامل مع صندوق النقد لا يتصل بشريحة تمويلية منفصلة، بل يرتبط بثقة الأسواق والدائنين في مسار الدولة كله. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها لأنها تعني أن من يمثل مصر أمام الصندوق لا يشغل موقعا فنيا محدودا، بل يقف داخل قلب القرار الذي يحدد كيف تتوسع البلاد في الاقتراض وكيف تقدم نفسها ماليا إلى الخارج.
صندوق النقد حاضر في صلب السياسات لا على هامشها
ومن ثم، لا يمكن قراءة القرار بعيدا عن الدور المتصاعد الذي لعبه صندوق النقد الدولي في مصر خلال السنوات الأخيرة. فبرامج الصندوق لم تبق عند مستوى التمويل قصير الأجل، بل ارتبطت بإجراءات واضحة طالت سعر الصرف والدعم والضرائب ودور الدولة والخصخصة والإنفاق العام. ولذلك صار اسم الصندوق حاضرا داخل كل ملف اقتصادي يمس حياة المواطنين مباشرة.
وبسبب هذا الحضور المباشر، تحولت العلاقة مع الصندوق من تعاون مالي تعلنه الحكومة إلى مسار كامل لإعادة تشكيل الأولويات الاقتصادية داخل الدولة. فكل تفاوض جديد كان يفتح الباب أمام التزامات جديدة، وكل مراجعة كانت تعيد الضغط في اتجاه مزيد من الإجراءات التي تتحمل كلفتها الشرائح الأضعف. ولهذا صار من يتولى التمثيل أمام الصندوق جزءا من صانع السياسة لا مجرد ناقل لها.
كما يرى منتقدون أن السلطة استخدمت وجود الصندوق غطاء سياسيا لتمرير قرارات قاسية تحت عنوان الإصلاح، بينما جرى تجاهل الأسئلة الأساسية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية وحماية الدخول وحدود الدين العام. فبدلا من فتح نقاش حول جدوى المسار نفسه، استمرت الحكومة في تقديم كل جولة تفاوض بوصفها ضرورة لا بديل عنها، حتى حين كانت النتائج تفضي إلى مزيد من الضغوط.
وفي هذا الإطار، قال الخبير الاقتصادي هاني توفيق إن مصر لا تحتاج إلى صندوق النقد الدولي بوصفه قدرا محتوما، وإن استمرار الارتباط به ليس المسار الوحيد الممكن. وتكشف هذه الشهادة قيمة خاصة لأنها تصدر عن خبير يتحدث من داخل المجال الاقتصادي نفسه، لا من موقع احتجاجي عام، وهو ما يمنح النقد وزنا إضافيا في تقييم جدوى الاعتماد المستمر على برامج الصندوق.
الديون والغلاء يعيدان سؤال السيادة الاقتصادية
وبالتالي، فإن القرار يعيد طرح السؤال الأكثر خطورة، وهو من يدفع الثمن الحقيقي للتمثيل المصري أمام المؤسسات المالية الدولية. فالسنوات الماضية لم تنته فقط إلى توسع الدين الخارجي وارتفاع خدمة الدين، بل انتهت أيضا إلى موجات متلاحقة من الغلاء أضعفت القدرة الشرائية ودفع ثمنها المواطنون الذين لم يكونوا طرفا في التفاوض ولا في رسم أولوياته.
ثم يتسع هذا السؤال لأن الاقتراض المتكرر لم يحل الأزمة من جذورها، بل حافظ على دورة تمويل مفتوحة تحتاج في كل مرة إلى جولة جديدة من الشروط والإجراءات. وبدلا من أن يؤدي ذلك إلى استعادة استقلال القرار الاقتصادي، كرست السلطة نمطا يجعل الاستقرار المعلن رهنا برضا المؤسسات الدولية وتقديراتها ومراجعاتها المتكررة، وهو ما يضيق المجال أمام أي سياسة بديلة.
كما يشير منتقدو هذا المسار إلى أن الشروط المرتبطة بالصندوق تنطلق غالبا من تصور اقتصادي ليبرالي لا يمنح الأوضاع الاجتماعية في الدول النامية الوزن الكافي. ولهذا جاءت آثار تلك السياسات على المصريين ثقيلة ومباشرة، لأن رفع الأسعار وخفض الدعم وتراجع قيمة العملة لم تكن عناوين تقنية، بل وقائع يومية دفعت الأسر إلى إعادة ترتيب أساسياتها تحت ضغط مستمر.
وفي هذا الموضع، رأى تيموثي كالداس نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط أن القروض الكبيرة الممنوحة لمصر ارتبطت ببرامج لم تعالج السياق السياسي والاقتصادي الحاكم، بل زادت قوة السلطة من دون أن تنتج مسارا عادلا أو مستقرا. وتكتسب هذه الرؤية وزنها لأنها تربط بين ملف التمويل الدولي وبين غياب المراجعة السياسية الحقيقية لنتائج النهج الاقتصادي القائم.
لكن الحكومة ما تزال تقدم تعاونها مع الصندوق باعتباره ضرورة لاستعادة الاستقرار المالي وجذب الاستثمارات الأجنبية ومعالجة الاختلالات الهيكلية. غير أن هذا الدفاع الرسمي يصطدم بحقيقة ظاهرة، وهي أن كل جولة جديدة من هذا المسار انتهت إلى كلفة اجتماعية أكبر لا إلى انفراج فعلي يشعر به الناس. ولهذا بقي الجدل مفتوحا حول حدود ما تملكه الدولة من استقلال اقتصادي.
ولهذا كله، فإن قرار السيسي تعيين محافظ البنك المركزي ممثلا لمصر دوليا أمام صندوق النقد لا يبدو تفصيلا إداريا ولا إعادة ترتيب بريئة للاختصاصات. فالقرار في جوهره إعلان صريح بأن السلطة متمسكة بالمسار الذي أنتج الأزمة، وبالوجوه التي أدارتها، وبالأدوات التي دفعت المجتمع إلى مزيد من الدين والغلاء. ومن هنا تكتسب الخطوة معناها الكامل، إذ تكشف أن الفشل لم يدفع النظام إلى التراجع، بل دفعه إلى تحصين مركز القرار نفسه وإرساله إلى الخارج باسم الدولة كلها.

