أظهرت البيانات الرسمية المعلنة اليوم أن التضخم السنوي في المدن المصرية ارتفع إلى 15.2% في مارس مقابل 13.4% في فبراير، بينما ارتفع التضخم على مستوى الجمهورية إلى 13.5% من 11.5%. هذه القراءة تنسف أي حديث عن هدوء تلقائي للأسعار بمجرد توقف الحرب، وتؤكد أن الحكومة نقلت الصدمة إلى الداخل سريعًا ثم أبقت أثرها قائمًا في السوق وعلى كاهل الأسر الفقيرة.
جاء هذا الارتفاع في وقت كانت فيه الأسواق العالمية قد التقطت أنفاسها نسبيًا بعد الهدنة، وهبط خام برنت هبوطًا حادًا تجاوز 15% في يوم واحد، لكن الحكومة المصرية لم تتراجع عن زياداتها المحلية، لا في الوقود الذي رفعته في 10 مارس، ولا في الكهرباء التي زادتها لبعض الشرائح في 4 أبريل. وهكذا بقيت الأسعار المحلية مرتفعة حتى بعد تراجع بعض أسباب الرفع عالميًا.
هبوط النفط عالميًا لم يصل إلى جيب المصريين
رفعت وزارة البترول أسعار البنزين والسولار وغاز السيارات في 10 مارس بزيادة بلغت 3 جنيهات للتر، وبدأ تطبيق القرار فجر ذلك اليوم. الوزارة بررت القرار بضغط أسواق الطاقة العالمية واضطراب الإمدادات، لكن هذا المبرر نفسه فقد جزءًا مهمًا من وزنه بعد هبوط النفط لاحقًا مع الهدنة وتراجع المخاوف من إغلاق طويل في مضيق هرمز.
ثم بقيت المشكلة لأن الحكومة لم تتعامل مع تراجع النفط باعتباره سببًا يستوجب مراجعة عاجلة للأسعار المحلية. آلية التسعير التلقائي في مصر تقوم أصلًا على مراجعة دورية ترتبط بسعر خام برنت وسعر الدولار، لكن الحكومة استخدمت هذه الآلية سنوات لتبرير الزيادة، بينما لم تُظهر الحماس نفسه عندما ظهرت عوامل كان يمكن أن تُخفف العبء عن المستهلك.
كما عمّقت الحكومة هذا المسار عندما أعلنت وزارة الكهرباء في 4 أبريل زيادة أسعار الكهرباء للشرائح الأعلى استهلاكًا ولعدد من الأنشطة التجارية، بمتوسط يقارب 16%، وأرجعت القرار إلى أزمة الطاقة العالمية المرتبطة بالحرب. هذا القرار جاء بعد بدء هبوط النفط عالميًا، ما يعني أن السلطة اختارت تثبيت أثر الأزمة على المواطن حتى بعد انحسار جزء من سببها الخارجي.
وفي هذا السياق، قال محمد أبو باشا، رئيس تحليل الاقتصاد الكلي في المجموعة المالية هيرمس، إن التضخم المصري قد يبقى في نطاق 15% إلى 16% بعد صدمة الحرب والطاقة وسعر الصرف. هذا التقدير يكتسب وزنه الآن لأن البيانات الرسمية الصادرة اليوم جاءت فعلًا عند 15.2% في المدن، بما يؤكد أن أثر الزيادة المحلية لم يتبدد مع أول إشارة هدوء خارجي.
التضخم اليوم يفضح رواية التهدئة الحكومية
أعلنت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اليوم أن أسعار المستهلكين في المدن ارتفعت سنويًا إلى 15.2% في مارس من 13.4% في فبراير، بينما قفزت الأسعار على أساس شهري 3.2%. كما سجل بند الطعام والمشروبات زيادة شهرية قدرها 4.8% وزيادة سنوية قدرها 5.8%، ما يعني أن الصدمة ضربت الإنفاق اليومي لا البنود الهامشية.
ويكشف هذا التطور أن الأزمة لم تعد مجرد انعكاس لحرب عابرة في الإقليم، لأن الأسعار انتقلت بالفعل من شاشة النفط إلى سلة الطعام وحركة النقل وتكلفة التشغيل. لذلك لم يعد السؤال هل ستنخفض الأسعار مع توقف الحرب، بل لماذا ارتفعت محليًا بهذه السرعة ثم تُركت لتترسخ رغم تراجع جزء من الضغط العالمي الذي استخدمته الحكومة نفسها مبررًا للرفع.
كما زاد وضوح هذا التناقض لأن البنك المركزي المصري أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في 2 أبريل، وقال صراحة إن مسار التضخم بات معرضًا لمخاطر صعودية بسبب التوتر الإقليمي وارتفاع الطاقة واضطراب الإمداد. هذا البيان لم يَعِد بهبوط سريع في الأسعار، بل قدم اعترافًا رسميًا بأن السوق دخلت موجة جديدة من الضغوط وأن التهدئة ليست قريبة.
وفي هذا الإطار، كان أحمد حافظ، رئيس البحوث في بلتون، قد رجح قبل صدور البيانات أن يدفع زخم الأسعار في مارس التضخم السنوي إلى حدود 15%. وقد جاءت القراءة الرسمية اليوم قريبة من هذا التقدير. هذا لا يثبت فقط دقة القراءة السوقية، بل يكشف أيضًا أن المحللين رأوا أثر الزيادات الحكومية قبل أن تعترف به السلطة في الأرقام النهائية.
ثم تتأكد المشكلة أكثر عندما توضع قراءة مارس إلى جوار مسار الأسعار الإدارية. الحكومة رفعت الوقود في 10 مارس، ثم رفعت الكهرباء في 4 أبريل، وبعد ذلك تُركت السوق لتنقل هذه الزيادات إلى الغذاء والنقل والخدمات. بهذه الطريقة صار التضخم نتيجة قرار داخلي بقدر ما هو نتيجة صدمة خارجية، وصار المواطن يدفع تكلفة الحرب حتى بعد أن بدأت بعض أسواق العالم في التقاط أنفاسها.
فوائد الديون والجباية تفسران الإصرار على إبقاء الأسعار مرتفعة
لا يمكن فصل هذا الإصرار الحكومي عن المأزق المالي الأوسع. تقارير الموازنة الجديدة تشير إلى أن نصف الإنفاق تقريبًا في موازنة 2026/2027 موجه لفوائد الدين وحدها، كما أن تكلفة خدمة الدين استهلكت نحو 83% من إيرادات الموازنة في أول 6 أشهر من السنة المالية 2025/2026. هذه الأرقام تشرح لماذا تبحث الحكومة عن كل وسيلة لتحصيل موارد إضافية من جيب السوق والمستهلك.
وبالتالي لم تعد زيادات الأسعار مجرد استجابة فنية لحركة الطاقة، بل تحولت إلى أداة مالية لحماية موازنة مثقلة بالديون والفوائد. الحكومة تحتاج إلى تقليص الدعم وزيادة الحصيلة الضريبية وغير الضريبية في وقت واحد، ولهذا تبدو أكثر استعدادًا لتحميل المواطن أثر الأزمة من استعدادها لمراجعة الأسعار نزولًا عندما تتراجع بعض الأسباب الخارجية التي رفعتها.
كما عزز هذا الاتجاه تصريح مصطفى مدبولي بأن فاتورة واردات الطاقة الشهرية لمصر قفزت إلى أكثر من الضعف بين يناير ومارس لتصل إلى 2.5 مليار دولار. الحكومة استخدمت هذا الرقم لتبرير رفع الأسعار وتقليص بعض الإنفاق العام، لكن المشكلة أن هذه السياسة لم تتوقف عند حدود الضرورة المؤقتة، بل تحولت سريعًا إلى عبء ثابت يُعاد تمريره إلى السوق حتى مع بدء تراجع بعض الضغوط العالمية.
وفي هذا السياق، عدلت هبة منير، رئيسة البحوث في إتش سي، متوسط توقعها للتضخم في 2026 إلى نطاق 13% إلى 14% بدلًا من 10% إلى 11%، وأرجعت ذلك إلى الضغوط الجيوسياسية وخروج أموال ساخنة والحاجة إلى موقف نقدي أكثر حذرًا. هذا التعديل يعني أن السوق نفسها لم تعد تراهن على هبوط مريح للأسعار، بل على تباطؤ محدود في أفضل الأحوال.
ثم يكتمل المشهد عندما تقارن الدولة بين حديثها عن الحماية الاجتماعية وبين أفعالها الفعلية. الحكومة تقول إن زيادات الكهرباء طالت الشرائح الأعلى فقط، لكنها في الوقت نفسه أبقت زيادات الوقود والسولار قائمة، وهذه زيادات تنتقل تلقائيًا إلى النقل والغذاء والخدمات التي يدفعها الجميع، ولا سيما الفقراء الذين لا يملكون القدرة على امتصاص أي ارتفاع جديد في كلفة المعيشة.
وفي المحصلة، لا تقول الأرقام الرسمية المعلنة اليوم إن التضخم هبط، بل تقول العكس تمامًا. التضخم ارتفع، والأسعار العالمية تراجعت جزئيًا، والحكومة أبقت زياداتها المحلية بل وسعت بعضها، لأن أولويتها لم تعد حماية القوة الشرائية للمواطن، بل حماية موازنة تلتهمها فوائد الديون التي صنعتها السلطة نفسها. ولذلك لا يبدو وقف الحرب مقدمة لخفض الأسعار، بل مجرد لحظة تكشف كيف تصر الحكومة على تحميل المواطن فشلها حتى بعد زوال جزء من مبرراته.

