أدى إغلاق مضيق هرمز والتهديدات المستمرة لحركة الملاحة في قناة السويس إلى تغيير جذري في مسارات الشحن العالمية، حيث اتجهت السفن إلى الإبحار حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، مما يعزز مكانة طنجة والموانئ الغربية للقارة، ويزيد الضغط الاقتصادي على مصر.
وبحسب صحيفة "شالونج" الفرنسية، لم يبدأ هذا التغيير تحديدًا مع الحرب على إيران، وإن كانت قد ساهمت في تسريع وتيرته. لكن أزمة تحويل مسارات الشحن بدأت في أواخر عام 2023، عندما شنّ الحوثيون في اليمن، بدعم من إيران، هجمات على سفن تجارية غربية في البحر الأحمر، قرب مدخل قناة السويس، على خلفية الحرب على غزة. ونتيجة لذلك، بدأت شركات الشحن الكبرى بالتخلي عن هذا المسار، والتحول إلى المسار الأطول جنوبًا.
وأوضح بول توريه، مدير المعهد العالي للاقتصاد البحري في سان نازير بفرنسا، أن "السفن تتجه الآن من مضيق ملقا في ماليزيا إلى الطرف الجنوبي من القارة الأفريقية، ومن هناك تتجه إلى ميناء طنجة في المغرب عبر مضيق جبل طارق، في طريقها إلى أوروبا".
ارتفاع حجم الشحن عبر رأس الرجاء الصالح بنسبة 89%
وبحسب التقرير، تُعدّ هذه البيانات غير مألوفة، ففي منتصف عام 2024، ارتفع حجم الشحن عبر رأس الرجاء الصالح بنسبة 89% مقارنةً بنهاية عام 2023، بينما انخفضت حركة الملاحة في قناة السويس بنسبة 70%، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد).
وفي مارس 2026، بلغ معدل التحويل اليومي 116%، بينما بلغ المتوسط الأسبوعي 35%. ولهذا التوجه تداعيات بالغة الأهمية على مصر، إذ تُشكّل عائدات قناة السويس - التي يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية - ثالث أهم مصدر دخل للاقتصاد المصري.
ا
رتفاع مستوى الربط بين الموانئ الأفريقية إلى ما يقرب من 70%
بحسب التقرير، يُعد ميناء طنجة المتوسط في المغرب الرابح الأكبر من هذا التغيير، فبعد أن كانت السفن العملاقة تُفرغ حمولتها في ميناء بيرايوس باليونان أو مالطا بعد مغادرتها قناة السويس، باتت اليوم تُفضل ميناء طنجة المتوسط الواقع قبالة مضيق جبل طارق، وهو ما تعكسه الأرقام: ففي عام 2025، تعامل الميناء مع 11 مليون حاوية، مقارنةً بـ 10.2 مليون حاوية في عام 2024 و8.6 مليون حاوية في عام 2023، أي بزيادة قدرها 28% خلال عامين.
وقال يان أليكس، الممثل العام لمؤسسة سيبسيل، المتخصصة في الخدمات اللوجستية للنقل البحري الدولي، إن "طريق طنجة المتوسط أصبح فجأة النقطة المركزية للمستقبل بالنسبة للسفن العملاقة، التي تقوم بنقل البضائع هناك إلى سفن أصغر في طريقها إلى أوروبا".
وتستفيد غرب أفريقيا أيضًا من هذا التوجه الجديد، كما يتضح في رسو سفينة "إم إس سي ديليتا" في ميناء لومي بتوجو، عام 2025، وهو حدث وُصف بالتاريخي. يبلغ طول السفينة ما يعادل أربعة ملاعب كرة قدم، وتحمل نحو 23 ألف حاوية. ووفقًا للتقرير، كانت هذه المرة الأولى التي ترسو فيها سفينة بهذا الحجم في ميناء أفريقي.
فوائد النقل البحري لدول القارة
قالت أنطونيلا تيودورو، الخبيرة الاقتصادية في شركة إم دي إس ترانسموديل، إن فوائد النقل البحري لدول القارة تتجاوز مجرد العبور البحري. وأضافت: "لا تقتصر حركة السفن على المرور بمحاذاة السواحل، بل تشمل أيضاً الرسو والتزود بالوقود واستراحة أطقمها، مما يفتح أسواقاً جديدة". ووفقاً للبيانات الواردة في المقال، فقد ارتفع مستوى الربط بين الموانئ الأفريقية أيضاً، من 65% عام 2024 إلى ما يقارب 70% عام 2025.
وفي خضم هذا، يتنافس عمالقة الشحن البحري على الاستثمار لتعزيز وجودهم البحري والبري في أفريقيا.
فقد أعلنت مجموعة (سي إم أي - سي جي إم) الفرنسية أنها ستتولى إدارة محطة الناظور غرب المتوسط في شمال شرق المغرب. أما شركة MSC، فقد استحوذت بالفعل على 16 محطة حاويات تابعة لشركة "بولوريه أفريقيا للوجستيات" في عام 2022، بالإضافة إلى شبكة السكك الحديدية التابعة لها.
وأعلنت شركة "سيفا"، الذراع اللوجستية لشركة(سي إم أي - سي جي إم)، أيضًا عن توسعها إلى الجابون وغينيا وغانا في عام 2025، بينما اختارت شركة ميرسك الدنماركية الاستثمار في التخزين المبرد وافتتحت مستودع "بلكون" جديدًا في كيب تاون.
ولخص جان أليكس هذا التوجه بقوله، إن "أفريقيا دخلت الآن المسارات المربحة لشركات الشحن، ولا تزال أسواقها في المرحلة الناشئة، مما يسمح لها بتحقيق معدلات ربح عالية من خلال السيطرة على سلسلة النقل بأكملها والقطاعات الأخرى".

