لم تتوقف تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عند حدود الصواريخ والغارات وتبدل خرائط الردع في الإقليم، لأن جبهة موازية اشتعلت سريعًا على المنصات مع منشور كتبه باسم يوسف عن الحرب، قبل أن يتحول إلى مادة اشتباك سياسي حاد انتهى، وفق تداول واسع بين متابعين، إلى حذف التغريدة أو المنشور بعد موجة تعليقات عنيفة رأت فيه مساندة مباشرة للرواية الأمريكية والإسرائيلية.

ما ثبت علنًا أن باسم نشر موقفًا يحذر فيه من تضخيم الانتصارات الإيرانية الصغيرة ومن تحويل الصمود إلى وهم نصر شامل، وأن هذا الموقف فجّر اعتراضًا واسعًا وفتح ردودًا سياسية وفكرية حادة، كان أبرزها رد الكاتبة والصحفية مي عزام التي رفضت قياس إيران على غزة أو بغداد، واعتبرت أن الصراع الجاري لا يمكن قراءته بعين الهزائم السابقة.

بهذا المعنى لم تعد الواقعة مجرد خلاف بين اسمين معروفين، بل صارت نموذجًا مكثفًا لانقسام عربي أوسع حول معنى الحرب وحدود الصمود وسقف التوقعات من المواجهة الجارية.

 

 

هذا الاشتباك لم ينشأ من فراغ، لأن منشور باسم جاء في لحظة إقليمية مشحونة أصلًا بالخسائر الهائلة في غزة، وبذاكرة سقوط بغداد، وبالنقاش المستمر حول كلفة مقاومة آلة أمريكية إسرائيلية لا تتقيد بقواعد أخلاقية ولا بحسابات الخسائر البشرية.

وفي المقابل جاء رد مي عزام ليكسر هذا المسار التشبيهي، وليقول إن إيران ليست غزة المحاصرة ولا عراق 2003 المنهك، وإن الجغرافيا والقدرة العسكرية الذاتية والتحولات الدولية الجارية تجعل تكرار السيناريو القديم أمرًا غير محسوم. وبين الموقفين، تحولت المسألة من سجال على وسائل التواصل إلى اختبار سياسي وفكري واسع، لأن السؤال لم يعد فقط هل تصمد إيران أم لا، بل كيف يفكر العرب أصلًا في الحرب عندما يضغط عليهم سجل طويل من الهزائم والإبادات والخذلان الرسمي.

 

منشور باسم فجّر الغضب ثم فتح سؤال الحذف والارتداد

 

ثم بدأ الجدل من الصيغة التي اختارها باسم يوسف نفسه، إذ تحدث عن خوفه من المبالغة في الانتصارات العسكرية الإيرانية، وحذر من أن العشم الزائد قد ينتهي إلى صدمة جديدة، مستدعيًا صور غزة وبغداد بوصفهما مثالين على بطولات لم تمنع الخراب الشامل. هذه اللغة هي التي دفعت خصومه إلى اتهامه بتسويق اليأس وتبرير الهزيمة مسبقًا.

 

وبعد انتشار المنشور، تعامل كثير من المعلقين معه باعتباره انحيازًا عمليًا للرؤية الأمريكية التي تقلل من أثر الضربات الإيرانية وتدفع الجمهور العربي إلى القبول المبكر بالهزيمة. وهنا اتسعت دائرة الغضب، لأن منتقدي باسم لم يقرأوا كلامه بوصفه تحذيرًا نفسيًا فقط، بل رأوه خفضًا لسقف التوقعات في لحظة يعتبرونها اختبارًا لهيبة الولايات المتحدة وإسرائيل معًا.

 

كما أن الجدل لم يتوقف عند مضمون المنشور، بل امتد إلى ما تداوله مستخدمون عن حذف التغريدة أو المنشور بعد تصاعد الهجوم. وحتى الآن، لم أعثر على توثيق مستقل ومباشر من باسم يوسف نفسه يشرح سبب الحذف أو يؤكد توقيته، لكن الثابت في التغطيات العلنية أن منشوره أثار جدلًا واسعًا وردودًا حادة على المنصات.

 

وفي هذا السياق، يقدم علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، زاوية مهمة حين قال إن دونالد ترامب بدأ حربًا لا يستطيع إنهاءها بسهولة، وإن الضغوط العسكرية لا تعني بالضرورة أن طهران تتجه إلى استسلام سريع أو انهيار سياسي مباشر. هذا التقدير يفسر لماذا اعتبر كثيرون كلام باسم مبكرًا ومجافيًا لتعقيد المشهد العسكري والسياسي الحالي.

 

مي عزام رفضت القياس على غزة وبغداد وقدمت سردية الدولة الطويلة النفس

 

ثم جاء رد مي عزام من نقطة مختلفة بالكامل، لأنها رفضت منذ البداية وضع إيران في القالب نفسه الذي وضعت فيه غزة أو عراق 2003. هي قالت بوضوح إن غزة كانت محاصرة جغرافيًا وتسليحيًا، وإن بغداد دخلت الحرب منهكة بالعقوبات والتفكيك، بينما تواجه إيران الحرب بوصفها دولة كبيرة تمتلك عمقًا جغرافيًا وبنية تصنيع عسكري وتحالفات دولية مختلفة.

 

وبسبب هذا الاختلاف، رأت مي أن الحساب العددي البحت للضحايا أو الضربات لا يكفي لقراءة ما يجري. هي ركزت على أن إيران ضربت العمق الإسرائيلي بالفعل، وأن هذا التطور أحدث شرخًا في ثقة المستوطن بقدرة حكومته على حمايته، وهو تحول تعتبره أبعد أثرًا من المقارنات السريعة التي تقيس الحرب فقط بعدد القتلى وبسرعة التدمير.

 

كما بنت مي عزام ردها على فكرة أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تملك شروط الحسم القديمة ذاتها، سواء بسبب الديون أو الانقسام الداخلي أو تعقيد البيئة الدولية. وهذا التصور يقترب مما يطرحه تريتا بارسي، الذي قال إن الحرب على إيران أطلقت مسارًا قد يأتي بنتائج عكسية، وإن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية قد تدفع إلى تعقيد أكبر بدل فرض استسلام نهائي سريع.

 

السجال كشف انقسامًا أوسع حول معنى الصمود وحدود الهزيمة

 

ثم كشف الاشتباك بين باسم ومي أن الخلاف الحقيقي لا يتعلق بشخصين فقط، بل بمنهجين كاملين في قراءة الصراع. الأول يركز على ميزان القوة المجرد وعلى سجل الهزائم العربية الثقيلة، ولذلك يخشى من تحويل الصمود إلى مخدر نفسي. والثاني يركز على تغير بنية النظام الدولي وعلى اختلاف الحالة الإيرانية، ولذلك يرى أن الحرب لم تحسم وأن الرهان على النفس الطويل ليس سذاجة.

 

وبعد هذا الانقسام، صار حذف التغريدة المتداول بين المستخدمين جزءًا من القصة لا تفصيلًا خارجها، لأن المتابعين قرأوه باعتباره أثرًا مباشرًا للهجوم الواسع على خطاب باسم. وحتى مع غياب تأكيد مباشر للحذف من صاحبه في المصادر المفتوحة التي راجعتها، فإن حجم العنف اللفظي في الردود يفسر لماذا تحولت الواقعة إلى مؤشر على حساسية الموقف من أي كلام يقترب من التطبيع مع فكرة الهزيمة.

 

كما أن فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، يقدم خلفية مهمة لهذا الانقسام حين يقول إن ما يجري لم يعد حربًا إيرانية فقط، بل حربًا إقليمية أوسع تدفع المنطقة إلى عدم استقرار أعمق. هذا التقدير يوضح أن المواقف الفكرية على المنصات باتت تتحرك تحت ضغط مشهد يتجاوز إيران نفسها إلى سؤال موازين القوى في الشرق الأوسط كله.

 

وأخيرًا، فإن جوهر الواقعة لا يكمن فقط في أن باسم يوسف كتب منشورًا ثم تعرض لهجوم شديد، ولا فقط في أن مي عزام ردت عليه بسردية مضادة، بل في أن الحرب على إيران أعادت إنتاج الانقسام العربي القديم بين من يخشى الوهم ومن يخشى الاستسلام.

غير أن ما جعل هذه الجولة مختلفة هو أن الجدل انتهى، وفق التداول الواسع، إلى حذف تغريدة أو منشور بعد ضغط سياسي وشعبي عنيف، وهو ما يكشف أن المزاج العام لم يعد يحتمل بسهولة خطابًا يُفهم منه التسليم المسبق بتفوق واشنطن وتل أبيب. وإذا استمرت الحرب واتسعت، فإن مثل هذا الاشتباك لن يبقى حادثة عابرة على المنصات، بل سيتحول إلى جزء من معركة أوسع على الوعي السياسي العربي نفسه.