د. عصام تليمة
من علماء الأزهر، حاصل على الدكتوراه في الفقه المقارن
في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها النظام المصري، فكر النظام بعقليته المعهودة في إلهاء الشعب عن مأساته، بالحديث عن عدوه التاريخي: الإخوان، فأخرج ملفا لديه منذ سبعة أشهر، وهو المعتقل المصري المختطف علي عبد الونيس، والذي خرج في تسجيل معروف طبيعة مثل هذه التسجيلات، يتحدث عن محاولته استهداف طائرة السيسي، وأنه تدرب على ذلك في غزة، وأن نشاطه بدأ منذ كان طالبا بجامعة الأزهر.
رسالة واضحة تطلقها الأجهزة في مصر، فتعمد ذكر غزة هنا مقصود، وبشكل يفتقر للمصداقية والأخلاقية، فالأقصى المغلق منذ بداية شهر رمضان، وأهل غزة الذين يعانون من خروقات جسيمة بعد وقف الحرب، ولم تستطع الحكومات التي ضغطت لتسليم الأسرى الإسرائيليين، لم تستطع أن تجرؤ لإدخال ما يغيث الناس في ضرورات الحياة، بل خرج قانون من الكنيست الإسرائيلي يشرعن إعدام الأسرى، ولم نر للدول والأنظمة والشخصيات التي ضغطت لإنهاء ملف الأسرى الصهاينة، بينما لم نر معشار هذا الجهد يمارس لأجل أسرى فلسطين، في ظل هذا التآمر المشهود، تخرج رسالة الشاب المصري، ليمارس الهجوم على السوشيال ميديا على غزة.
لكن الأمر لا يقف عند غزة، بل راح بعض المتصيدين بشكل لا يخلو من فجاجة وتصيد مغرض، يلتقط خيط أن المتهم من المنتسبين للأزهر الشريف، ملمحا لذلك بأن الأزهر مصدر للإرهاب، بغض النظر عن أن اتهام الشخص حوله كلام كثير، وليس كل ما ينشر إعلاميا في ظل هذا النظام يمكن أن يصدق، ولكن خالد منتصر مصر كعادته في التحرش بالأزهر، واتهامه دائما ومناهجه بالإرهاب، فهل ممارسة شخص للعنف، هل يعني ذلك إدانة لمهنته، أو للمعهد العلمي والأكاديمي الذي تخرج فيه؟!
يعلم خالد منتصر وأمثاله، أن هذا الكلام لا يصح ولا يستقيم لا علميا، ولا تاريخيا، وإلا لوجب اعتماد المبدأ مع كل شخص يمارس العنف ينتمي لمؤسسة أن توصم المؤسسة بالعنف، وأول هذه المؤسسات: المؤسسة الطبية، فكم من طبيب في مصر وخارجها مارس العنف، أو اتهم بممارسته، ومعظم الجماعات التي مارست العنف في مصر، وتراجعت عنه فيما بعد، ينتسبون للطب والهندسة، فهل معنى ذلك أن تتهم كليات الطب بالدعوة للعنف، وأن مناهجها تخرج إرهابيين؟!
وهل يجرؤ خالد منتصر وأمثاله، من توجيه نفس اللوم والسؤال والمحاسبة لمؤسسات عسكرية تخرج منها من مارسوا العنف؟ وكذلك مؤسسات كنسية وشخصيات تولت مناصب دينية مسيحية في مصر؟! وهو تاريخ معروف لكل دارس للعنف وتاريخه في مصر والعالم.
فعلى مستوى المؤسسة العسكرية، من اتهموا بقتل السادات وحوكموا فيه، ليسوا أزهريين، بل كلهم من المؤسسة العسكرية، فخالد الإسلامبولي وعبود الزمر، وبقية المتهمين، جلهم من المؤسسة العسكرية، ورتب عسكرية فيها. بل السادات نفسه مارس العنف حين حاول قتل مصطفى النحاس وفشل، وشارك في قتل أمين عثمان وهو وزير مصري مقرب من الإنجليز، فشارك في اغتياله، وسجن في ذلك، وطرد من الخدمة العسكرية، ثم عاد مرة أخرى.
أما جمال عبد الناصر فقد مارس العنف قبل توليه الحكم، وبعد توليه الحكم، فقد حاول قتل حسين سري وباءت محاولته بالفشل، ثم بعد ثورة يوليو 1952م، وقد كان رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية، فقد حدثت حادثة شهيرة قامت بها الجماعات الصهيونية في مصر اشتهرت بفضيحة: (لافون)، وهي ست تفجيرات تمت في القاهرة، المفاجأة أن الخلية الصهيونية قامت بتفجيرين فقط، أما البقية فقام بها عبد الناصر، حيث يعترف بذلك رفقاء عبد الناصر، وعلى رأس هؤلاء: خالد محيي الدين حيث يقول في مذكراته: (والآن أتكلم):
(وقد روى لي بغدادي (وعاد فأكد ذلك في مذكراته) أنه في أعقاب هذه الانفجارات زار جمال عبد الناصر في منزله هو وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم ليناقشوا معه تطورات الأوضاع، وأبلغهم عبد الناصر أنه هو الذي دبر هذه الانفجارات لإثارة مخاوف الناس من الاندفاع في طريق الديمقراطية، والإيحاء بأن الأمن قد يهتز وأن الفوضى ستسود، وبطبيعة الحال فإن الكثيرين من المصريين لا يقبلون أن تسود الفوضى بصورة تؤدي إلى وقوع مثل هذه الانفجارات).
وهذا غيض من فيض من تاريخ العسكريين والعنف، فإذا انتقلنا إلى المؤسسة الدينية المسيحية، فهو موجود كذلك في مصر، فقد حدث منذ سنوات قليلة أن قتل راهب راهبا آخر في الكنيسة، وأحداث مشابهة كذلك.
أما البابا شنودة مثلا، فقد بدأ حياته بحادثة اختطاف، وختمها بحادثة اختطاف عاونته فيه السلطة، الحادثة الأولى كانت سنة 1953م، وقد كان اسمه: نظير جيد، قبل أن يتحول للرهبنة، حيث قام مع جماعة سميت: جماعة الأمة القبطية، باختطاف بابا الكنيسة الأنبا يوساب الأول، لإجباره على التنازل عن البابوية.
وفي أخريات حياته، حين أسلمت زوجة راهب وهي السيدة وفاء قسطنطين، وتظاهر المسيحيون أمام الكنيسة، ليطلب شنودة من الرئيس الراحل مبارك تسليمها، ويضغط ويهدد بالاعتكاف في الدير، وقاموا بالفعل بتسليمها لهم، وهو قرار غريب يخالف دولة القانون، فالأصل أن الناس أحرار في اختيار دينهم، والأصل أن الإنسان ينتقل من المؤسسة الخاصة للدولة، وليس العكس، ومع ذلك قامت الدولة بتسليمها للبابا، ولا يعلم مصيرها حتى الآن!
كل هذه الأحداث لا يجهلها خالد منتصر وغيره، بل يعلمونها، لكن لا يجرؤ أحدهم على طرحها، ولا يجرؤ أحدهم على إثارة السؤال، لأن كلتا المؤسستين لن ترحمه، وهو وأمثاله من أنصار ما أطلقنا عليه: النضال الطري، والمعارك الآمنة، ولو بالافتراء، لا هم لهم سوى الخطاب الديني الإسلامي، والمؤسسة الدينية الإسلامية، ولو بالادعاء والتجني، لكن الأحداث كاشفة فاضحة لأهدافهم المغرضة.

