فجَّرت وفاة طبيب الامتياز حسام الفقي، بعدوى الالتهاب السحائي عقب تعامله مع مريض في مستشفيات جامعة عين شمس، سؤالًا لم تستطع وزارة الصحة الإفلات منه، لأن نقابة الأطباء لم تكتفِ بنعيه، بل جدَّدت في التاسع والعشرين من مارس مطالبتها الصريحة بإدراج أطباء الامتياز ضمن منظومة التأمين الصحي، وهو ما حوَّل الواقعة من خبر وفاة إلى اتهام مباشر لبنية حماية مهنية تركت الحلقة الأضعف في المواجهة بلا غطاء حقيقي.

 

بيان النفي لم يجب على السؤال الحقيقي

 

أوضح تسلسل الأحداث أن وزارة الصحة اختارت في الثامن والعشرين من مارس أن ترد على ما وصفته بشائعات انتشار الالتهاب السحائي، مؤكدة عدم وجود تفشٍ وبائي وأن المرض البكتيري تحت السيطرة منذ عام 1989، لكن هذا الرد، حتى لو صحَّ في نطاقه الوبائي، لم يقترب أصلًا من الواقعة التي أثارت الغضب، وهي وفاة طبيب شاب أثناء أداء عمله وما إذا كانت إجراءات الحماية والتعامل بعد التعرض للعدوى قد طُبقت بصرامة وكفاءة.

 

ولفت هذا الفصل المتعمد بين نفي التفشي وبين فحص مسؤولية المنظومة إلى طريقة مراوغة معروفة، لأن أحدًا لم يقل إن مصر غارقة في وباء عام، بينما الوقائع المنشورة قالت إن طبيب امتياز مات بعد عدوى مهنية، والفارق بين المسألتين جوهري، إذ لا ينفي انخفاض المعدلات الوطنية احتمال وقوع كارثة داخل مستشفى إذا غابت الوقاية أو تأخر الاشتباه أو تعطل بروتوكول المتابعة بعد المخالطة.

 

ويبين كلام الدكتور عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الصحية والوقائية، أن الالتهاب السحائي مرض معروف ونادر الحدوث في مصر، وهذه النقطة بالذات لا تُبرئ أحدًا، بل تُحمِّل الإدارة مسؤولية أكبر، لأن المرض النادر لا يُواجَه بالاستخفاف، وإنما باليقظة الكاملة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطبيب شاب يعمل في بيئة يفترض أنها الأكثر استعدادًا لاكتشاف الخطر ومنع انتقاله والتعامل السريع معه.

 

من مات هنا لم يكن رقمًا بل عاملًا بلا حماية كافية

 

أكدت نقابة الأطباء في نعيها أن حسام الفقي أُصيب بعد تعامله مع أحد المرضى أثناء أداء واجبه المهني، ثم ربطت ذلك مباشرة بتجديد مطالبتها بإدراج أطباء الامتياز في التأمين الصحي أسوة بسائر العاملين بالدولة، بما يعني أن النقابة قرأت الواقعة بوصفها نتيجة فجوة مؤسسية لا حادثًا منفصلًا، لأن من يُطلب منه العمل داخل المستشفى لا يجوز أن يبقى خارج المظلة العلاجية التي تُؤمِّن الحد الأدنى من حقه إذا أصيب.

 

وفي موازاة ذلك، توضح الإرشادات الدولية أن عدوى المكورات السحائية تنتقل عبر التعرض المباشر لإفرازات الجهاز التنفسي أو اللعاب، وأن الخطر المهني يرتفع في المواقف القريبة وجهًا لوجه أو أثناء إجراءات مجرى الهواء إذا غابت وسائل الوقاية المناسبة، كما أن الوقاية الدوائية للمخالطين تُعطى لمن ثبت تعرضهم المباشر، وهو ما يجعل السؤال عن تقييم التعرض ومسار المتابعة داخل المستشفى سؤالًا مشروعًا لا يجوز دفنه تحت عنوان النفي العام.

 

ويرى الدكتور مجدي بدران، عضو الجمعية المصرية للحساسية والمناعة، أن الوقاية من الالتهاب السحائي ترتبط بتقليل المخالطة اللصيقة وتجنب تبادل الأدوات والالتزام بإجراءات الحماية، وهي ملاحظات تبدو بديهية نظريًا لكنها تكشف عمليًا حجم التقصير عندما يسقط ضحية العدوى طبيب امتياز داخل مؤسسة علاجية، لأن المستشفى الذي يشرح قواعد المنع على الورق ثم يعجز عن حماية أصغر أطبائه يتحول من مكان علاج إلى مساحة خطر منظم.

 

الأزمة كشفت خلل الإدارة لا غموض المرض

 

أشار بيان الوزارة إلى أن مصر لم تسجل حالات وبائية بين طلاب المدارس منذ عام 2016 وأن معدل الإصابة بالالتهاب السحائي البكتيري بلغ 0.02 حالة لكل مئة ألف نسمة خلال عام 2024، لكن هذه الأرقام، بدل أن تُغلق الملف، تفتح ملفًا آخر أشد إزعاجًا، لأن المنظومة التي تتفاخر بالسيطرة الإحصائية يفترض أن تكون أكثر قدرة على حماية العاملين داخلها، لا أن تترك الأسرة الطبية تكتشف الخطر بالموت ثم تسمع بعده خطاب التطمين المعتاد.

 

وفي ظل هذا التناقض، تبدو مشكلة الخطاب الرسمي أنه يعامل الرأي العام كخصم يجب إسكاتُه، لا كشريك يجب إبلاغه بالحقيقة كاملة، فبدل إعلان واضح عن ملابسات التعرض، وإجراءات التقصي، وحالة المخالطين، وما إذا كانت البروتوكولات نُفذت في وقتها، خرجت اللغة الحكومية لتدافع عن صورة الوزارة أولًا، وكأن الأزمة الأساسية ليست فقدان طبيب شاب، بل اهتزاز الرواية الرسمية أمام الناس.

 

ويؤكد الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، في أكثر من مناسبة أن نجاح أي سياسة صحية يقوم على الوقاية المسبقة والاستثمار في اللقاحات والإجراءات المنظمة لا على رد الفعل المتأخر، وهذا المعنى ينسحب هنا مباشرة، لأن تكلفة ضم أطباء الامتياز إلى مظلة حماية وعلاج ومتابعة أقل بكثير من تكلفة تركهم مكشوفين ثم مطالبة المجتمع بتصديق أن كل شيء تحت السيطرة بعد وقوع الفاجعة.

 

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الالتهاب السحائي مرض خطير ومدمر ويمكن أن يتحول في بعض أنواعه إلى بؤر تفشٍ إذا فشل الاكتشاف السريع والتعامل الوقائي مع المخالطين، ولذلك فإن الحد الأدنى من الجدية هنا لا يبدأ ببيان ينفي الفزع، بل بإعلان مسؤول عن مراجعة إجراءات مكافحة العدوى، وتوفير الحماية الدوائية والوقائية للعاملين، وضمان حق أطباء الامتياز في العلاج الكامل لا باعتبارهم متدربين هامشيين بل باعتبارهم من يقفون فعليًا في خط النار الأول.

 

وأخيرا انتهت هذه الواقعة إلى حقيقة سياسية ومهنية يصعب تجميلها، وهي أن موت حسام الفقي لم يفضح مرضًا بقدر ما فضح عقلًا إداريًا لا يتحرك إلا دفاعًا عن سمعته، بينما يترك من يحملون عبء الخدمة العامة بلا حماية عادلة ولا شفافية كافية، ولذلك فإن القضية لم تعد مجرد نعي مؤلم، بل صارت اختبارًا مباشرًا لوزارة اختارت النفي السريع بدل المحاسبة السريعة، وكأن دم الطبيب الشاب تفصيل عابر في دفتر البيانات.