أثار الأكاديمي الإماراتي عبدالخالق عبدالله جدلا واسعا بتصريحات أدلى بها خلال مشاركته في بودكاست «الحل إيه؟» الذي تقدمه الدكتورة رباب المهدي، قال فيها إن الإمارات لعبت دورا محوريا في إنقاذ مصر من سيناريوهات الفوضى بعد 2013، معتبرا أن القاهرة كانت مهددة بمصير مشابه لسوريا أو ليبيا لولا الدعم الإماراتي.

 

وتفتح هذه التصريحات الباب مجددا أمام التساؤلات بشأن حجم التدخل السياسي والاقتصادي الخارجي في مصر بعد الانقلاب على الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، ودور ذلك في ترسيخ حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي وإعادة تشكيل المجال السياسي بالكامل.

 

اعتراف جديد بدور أبوظبي في دعم السلطة بعد 2013

 

تصريحات عبدالخالق عبدالله أعادت إلى الواجهة ما ظل يُثار لسنوات بشأن طبيعة الدور الإماراتي في مصر بعد 2013، ليس فقط عبر المساعدات الاقتصادية والاستثمارات، بل كذلك من خلال الغطاء السياسي والدبلوماسي للنظام الجديد في لحظة كانت فيها السلطة تواجه انتقادات دولية واسعة على خلفية القمع الدموي للاعتصامات والتضييق على المعارضة. وبهذا المعنى، فإن حديث عبدالله بدا أقرب إلى إقرار علني بأن بقاء السلطة الجديدة واستقرارها لم يكونا نتاج الداخل المصري وحده، بل ارتبطا أيضا بدعم إقليمي مباشر.

 

من فض رابعة إلى إغلاق المجال العام

 

ربط عبدالله بين ما وصفه بـ"الاختناق المعقد" الذي عاشته مصر بعد 2011 وبين الحاجة إلى دعم خارجي لتجاوز تلك المرحلة، غير أن هذا التوصيف يتجاهل أن السنوات التالية شهدت توسعا غير مسبوق في القبضة الأمنية، بدءا من فض اعتصام رابعة وما تلاه من حملات اعتقال واسعة، وصولا إلى تقويض الحياة السياسية والحزبية والإعلامية. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الدعم الإماراتي والخليجي عموما وفر للنظام المصري هامشا كبيرا للمضي في تثبيت أركانه، بينما كان المجال العام يُعاد تشكيله بالقوة لصالح حكم أكثر مركزية وأقل تسامحا مع أي معارضة.

 

كيف رسّخ السيسي حكمه بدعم سياسي ومالي خارجي؟

 

ويضيف منذ وصوله إلى السلطة، اعتمد السيسي على مزيج من القبضة الأمنية الصارمة، وإعادة هندسة مؤسسات الدولة، والاستناد إلى دعم إقليمي وفّر له متنفسا اقتصاديا وسياسيا في أصعب اللحظات. هذا الدعم لم يقتصر على سد فجوات التمويل أو دعم الاحتياطي النقدي، بل امتد إلى منح النظام شرعية إقليمية ساعدته على تجاوز الضغوط الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات. ومع الوقت، تحول هذا الإسناد الخارجي إلى أحد الأعمدة التي قامت عليها معادلة الحكم الجديدة في مصر، حيث جرى تثبيت السلطة على حساب التعددية السياسية، وتكريس واقع سياسي مغلق يربط الاستقرار ببقاء النظام نفسه.

 

في المحصلة، لا تبدو تصريحات عبدالخالق عبدالله مجرد قراءة سياسية متأخرة لما جرى في مصر بعد 2013، بقدر ما تبدو اعترافا مباشرا بأن تثبيت السلطة لم يكن شأنا داخليا خالصا، بل جرى بدعم إقليمي واضح وفّر للنظام الجديد أسباب البقاء والتمدد. فبينما كانت السلطة ترفع شعار “إنقاذ الدولة” من الفوضى، كانت البلاد تُدفع عمليا نحو نموذج حكم مغلق، يقوم على القمع، وتجفيف السياسة، وإعادة تعريف الاستقرار باعتباره خضوعا كاملا لسلطة لا تقبل الشراكة ولا تحتمل المعارضة.

 

وإذا كان هذا الدعم قد أسهم في ترسيخ حكم عبدالفتاح السيسي، فإنه في المقابل رسّخ أيضا واقعا سياسيا مأزوما: دولة أكثر صلابة أمنيا، لكنها أكثر هشاشة سياسيا، وسلطة أكثر تماسكا في ظاهرها، لكنها قائمة على الإقصاء والخوف لا على التوافق والشرعية الشعبية. وهكذا، فإن “الاستقرار” الذي جرى الترويج له لم يكن سوى الاسم السياسي لمرحلة أُغلقت فيها أبواب التغيير، ودُفع فيها المصريون إلى كلفة باهظة من حرياتهم ومستقبلهم.