فضحت جريمة استهداف مركبة إعلامية على طريق جزين، اليوم السبت ٢٨ مارس ٢٠٢٦، اتساع سياسة القتل المباشر التي ينتهجها جيش الاحتلال بحق الصحفيين في ساحات الحرب، بعدما تحدثت وسائل إعلام لبنانية عن استشهاد مراسلتين وصحفيين خلال أداء عملهم الميداني. وبذلك لم يعد الاعتداء على الإعلاميين واقعة طارئة في الجنوب اللبناني، بل حلقة جديدة في مسار دموي يلاحق كل من ينقل أثر القصف إلى الرأي العام.

 

استهداف مباشر لإسكات الشهود

 

وأوضح هذا الهجوم أن الاحتلال لا يكتفي بتوسيع ضرباته داخل الجنوب اللبناني، بل يذهب إلى ضرب الحلقة التي توثق نتائجه، لأن قتل الصحفي لا يزيل شاهداً فردياً فقط، بل يعطل مساراً كاملاً من التحقق والنقل والمساءلة. وبهذا المعنى، فإن اغتيال الإعلاميين لا ينفصل عن إدارة الحرب نفسها، بل يتحول إلى أداة مرافقة لها هدفها خفض الكلفة السياسية للجريمة.

 

ولفتت منظمة مراسلون بلا حدود إلى أن ظروف العمل الصحفي في لبنان تدهورت بشدة مع تصاعد القصف الإسرائيلي، وأن تقييد الوصول إلى الميدان واستهداف الصحفيين يفتح الطريق أمام وقوع جرائم حرب بعيداً عن التغطية. وقال جوناثان دغر، رئيس مكتب الشرق الأوسط في المنظمة، إن الصحفيين ليسوا أسلحة حرب ويجب أن يعملوا بحرية وأمان، وهو توصيف يكشف أن الاعتداء على الإعلاميين لم يعد أثراً جانبياً بل جزءاً من بيئة عسكرية مقصودة.

 

وفي ظل هذا التصعيد، تبدو رواية الاحتلال عن الأخطاء الميدانية أقل قابلية للتصديق، لأن نمط الضربات تكرر في لبنان منذ أكتوبر ٢٠٢٣ وصولاً إلى مارس ٢٠٢٦، فيما وثقت جهات دولية سقوط صحفيين لبنانيين وإصابة آخرين في مواقع عمل واضحة. كما سجلت لجنة حماية الصحفيين خلال مارس ٢٠٢٦ وحده وقائع جديدة في النبطية وبيروت والجنوب، بما يعزز أن الاستهداف لم يعد حادثاً منفصلاً بل سياسة تتجدد مع كل مرحلة توسع عسكري.

 

نمط موثق لا حادث معزول

 

ويبين تتبع الوقائع أن ما جرى على طريق جزين لا يمكن فصله عن سجل أوسع من الانتهاكات ضد الصحافة في لبنان وغزة واليمن، إذ قالت لجنة حماية الصحفيين إن إسرائيل قتلت عدداً من الصحفيين يفوق أي حكومة أخرى منذ بدء توثيقها المنهجي عام ١٩٩٢. وحتى ٢٦ مارس ٢٠٢٦، وثقت اللجنة مقتل ٢٥٦ صحفياً وعاملاً إعلامياً في الحرب، بينهم ثمانية لبنانيين، وأكدت أن الاستهتار بحياة الصحفيين والقانون الدولي بلغ مستوى غير مسبوق.

 

وأكدت سارة قُدَح، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين، أن الصحفيين الفلسطينيين ذُبحوا وسط إفلات من العقاب منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، ووصفت ما يجري بأنه اعتداء مباشر وغير مسبوق على حرية الصحافة. ورغم أن حديثها انطلق من غزة، فإن دلالته تمتد إلى لبنان لأن الجهة المنفذة واحدة والمنهج ذاته قائم على منع التغطية واستنزاف القدرة على البقاء والعمل، لا مجرد التعرض العارض للمراسلين في أرض المعركة.

 

وفي موازاة ذلك، وثقت لجنة حماية الصحفيين في ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٤ معطيات قالت إنها تشير إلى أن ضربة إسرائيلية في لبنان استهدفت صحفيين على نحو يرجح معه وقوع جريمة حرب، فيما شددت المديرة التنفيذية للجنة جودي جينسبرغ على أن الصحفيين مدنيون ولا يجوز استهدافهم أبداً. وعندما يتكرر التحذير نفسه بعد أكثر من عام دون محاسبة فعلية، فإن الرسالة السياسية تصبح واضحة، وهي أن الإفلات من العقاب شجع الاحتلال على المضي في السلوك ذاته.

 

عجز دولي يوسع دائرة الجريمة

 

ويرى متابعون أن أخطر ما أنتجته هذه الاعتداءات ليس فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل ترسيخ قناعة ميدانية بأن المجتمع الدولي يكتفي بالتنديد بعد وقوع الجريمة، ثم يترك الصحفيين يواجهون المصير نفسه في المهمة التالية. وقد أظهرت تقارير إنسانية أممية أن التصعيد الإسرائيلي منذ مطلع مارس ٢٠٢٦ أدى إلى تدهور حاد في الوضع الإنساني داخل لبنان، فيما تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام عن تجاوز عدد الشهداء الألف خلال الأسابيع الماضية، وهو سياق يضاعف الحاجة إلى التغطية المستقلة بدل خنقها.

 

وفي ظل هذا المناخ، قال رمزي قعيس، الباحث في هيومن رايتس ووتش، إن القتل الإسرائيلي المتعمد للصحفي عصام عبد الله كان يجب أن يشكل رسالة بالغة الوضوح بأن الإفلات من العقاب على جرائم الحرب يولد جرائم حرب جديدة. وهذا التقييم لا يخص الماضي وحده، بل يفسر الحاضر مباشرة، لأن غياب المحاسبة بعد الجرائم السابقة فتح المجال لتكرار الاستهداف ضد الإعلاميين والمدنيين في لبنان من دون رادع حقيقي.

 

وأشار هذا الترابط بين الجريمة والإفلات من العقاب إلى نتيجة سياسية أخطر، وهي أن قتل الصحفيين يخدم الاحتلال مرتين، مرة بإزالة من ينقل الوقائع، ومرة بفرض روايته على المساحة الخالية بعد إسكات الشهود. لذلك فإن المسألة لم تعد مرتبطة بحماية أفراد فقط، بل بحماية الحق العام في المعرفة، لأن المجتمع الذي يُمنع من رؤية الحرب كما هي يصبح أسهل انقياداً لرواية القوة المسلحة وأقل قدرة على مساءلتها.

 

وأخيرا تبين  كل هذه الوقائع أن استهداف الصحفيين في لبنان ليس امتداداً عرضياً لنيران الحرب، بل قراراً يضرب المهنة كي يحجب الجريمة ويؤمن للاحتلال هامشاً أوسع للاستمرار. ومن دون تحقيق دولي مستقل ومساءلة علنية وعقوبات واضحة، سيبقى كل مراسل على الجبهة هدفاً مفتوحاً، وسيبقى الصمت الدولي شريكاً فعلياً في تحويل الكاميرا من أداة كشف إلى سبب إضافي للقتل.