جاءت جولة مدبولي داخل أحد فروع «كاري أون» في مصر الجديدة بوصفها إعلانًا سياسيًا جديدًا عن مشروع تقول الحكومة إنه سيطوّر المجمعات الاستهلاكية ويضبط الأسعار، بعد مسار بدأ فعليًا مع افتتاح أول ثلاثة فروع مطوّرة في 29 سبتمبر 2025، ثم التوسع لاحقًا إلى فرع مدينة الإنتاج الإعلامي في 16 ديسمبر 2025، وسط حديث رسمي عن تعميم العلامة على عشرات الآلاف من المنافذ التابعة للتموين.

 

تطوير بالشكل أم علاج للأصل

 

أوضح المشهد الرسمي أن الدولة تريد تقديم «كاري أون» باعتباره نقلة في تجارة التجزئة الحكومية، لكن المشكلة أن الخطاب ركز على الشكل التشغيلي والهوية الموحدة أكثر مما ركز على السؤال الذي يواجهه المواطن يوميًا، وهو لماذا تبقى الأسعار مرتفعة أصلًا رغم كل هذه الحملات والمنافذ والتأكيدات المتكررة على وفرة السلع.

 

ولفتت الحكومة إلى أن المشروع يستهدف توحيد اسم «كاري أون» ليشمل المجمعات الاستهلاكية ومنافذ «جمعيتي» والبدالين التموينيين، مع حديث متكرر عن نحو أربعين ألف منفذ وتطبيق أنظمة تشغيل ودفع إلكتروني ورقمنة لحركة السلع، لكن هذا الاتساع نفسه يفتح بابًا أوسع للمساءلة، لأن مشروعًا بهذا الحجم لا يُقاس بطلاء الواجهات بل بقدرته على كبح الفارق بين الوعد والسعر على الرف.

 

ويبين الخبير الاقتصادي أحمد عادل أن المشروع يمكن أن يكون خطوة تنظيمية لتحسين الكفاءة وتقليل حلقات الوساطة، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة وجود ضوابط للشفافية وتكافؤ الفرص ومنع أي ممارسات تمييزية في التسعير أو التوريد، وهي ملاحظة مهمة لأن أي شبكة حكومية واسعة بلا رقابة صارمة قد تتحول من أداة انضباط إلى مركز ثقل جديد في السوق.

 

اتساع الشبكة لا يعني انضباط السوق

 

وأكدت الوقائع الأخيرة أن أزمة السوق لم تُحسم بعد، إذ ناقشت لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب في 8 مارس 2026 طلبات إحاطة مرتبطة بضبط الأسواق وأسعار السلع الأساسية، كما ظهرت داخل الاجتماع نفسه شكاوى برلمانية من ملفات تموينية شائكة تتعلق بالنقص والتأخير وضعف الخدمة، وهو ما يعني أن التوسع في العلامة الجديدة يسير بالتوازي مع أزمات لم تختف من الأساس.

 

وفي موازاة ذلك، قال الدكتور محمد الشوادفي إن ضبط الأسواق يحتاج إلى خطوات قوية وتكاتف جميع الأجهزة الرقابية في ظل الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو رأي يكشف جوهر الأزمة، لأن السوق لا يضبطه افتتاح فرع جديد وحده، بل يضبطه نظام رقابة فعلي قادر على منع الانفلات ومحاسبة المحتكر ومواجهة انتقال التكلفة إلى المستهلك النهائي.

 

وأشار هذا المعنى إلى مأزق أوسع، فالحكومة تتحدث عن بيع السلع داخل «كاري أون» بأقل من السوق بما لا يقل عن 30 في المئة، لكن بقاء الحاجة إلى هذا الفارق الكبير يفضح في المقابل حجم التشوه في السوق الأصلية، لأن النجاح الحقيقي لا يكون في خلق جزيرة أرخص داخل بحر غلاء، بل في تقليص الغلاء نفسه حتى لا يصبح المواطن معلقًا دائمًا بين منفذ مدعوم وسوق منفلتة.

 

بين الرسالة السياسية وامتحان النتيجة

 

ويرى الدكتور بلال شعيب أن استراتيجية ضبط الأسواق يجب أن تجمع بين إتاحة السلع وتعزيز الرقابة، وهي ملاحظة تبدو شديدة الصلة هنا، لأن المشروع الحكومي يملك بالفعل جانب الإتاحة عبر المنافذ، لكنه لا يقدم حتى الآن الدليل الكافي على أن الرقابة صارت قادرة على فرض انضباط واسع ومستدام خارج هذه المنافذ، وهو الفارق بين إجراء إسعافي وسياسة اقتصادية ناجزة.

 

وفي ظل هذا التناقض، تبدو جولة مدبولي أقرب إلى رسالة سياسية تقول إن الدولة حاضرة في السوق، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال الكفاءة والعدالة. فافتتاح أربعة فروع حتى 17 فبراير 2026 يحمل دلالة على سرعة التحرك الإداري، لكنه لا يكفي للحكم على مشروع يقال إنه سيتوسع في كل المحافظات، لأن امتحان الانتشار أهون كثيرًا من امتحان الأثر الحقيقي على الأسعار وجودة الخدمة والاستمرارية.

 

وأكدت التجربة الحكومية في هذا الملف أن المظهر الحديث قد يمنح المشروع زخمًا في بدايته، لكن الزخم نفسه قد ينقلب عبئًا إذا لم يلمس المواطن فرقًا ثابتًا في السعر والتوافر. فكل افتتاح جديد يرفع سقف التوقعات، وكل وعد بتوسيع «كاري أون» يضاعف مسؤولية الوزارة عن تفسير ما يحدث في الأسواق التقليدية التي ما زالت تفرض على الأسر المصرية فاتورة أعلى من قدرتها.

 

وأخيرا انتهت الصورة الرسمية إلى دعوة للتوسع في افتتاح منافذ أكثر، لكن القراءة الصحفية الأشد صراحة تقول إن الأزمة ليست في عدد اللافتات ولا في حداثة العرض، بل في عجز السياسات حتى الآن عن فرض سوق منضبطة وعادلة. فـ«كاري أون» قد يخفف الضغط في نقاط محددة، لكنه لن يصبح حلًا حقيقيًا إلا إذا تحوّل من واجهة حكومية أنيقة إلى أداة واضحة لكسر الغلاء، ومحاسبة المتلاعبين، وإعادة تعريف دور الدولة من التسكين إلى العلاج.