دفعت الضربات الإيرانية المكثفة ضد القواعد الأمريكية إلى تغيير جذري في أسلوب إدارة العمليات العسكرية الأمريكية، حيث اضطرت قوات واشنطن إلى العمل من مواقع بديلة ومؤقتة، بعضها مدني، في مشهد غير مسبوق منذ عقود.

 

وبحسب ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز نقلًا عن مسؤولين عسكريين أمريكيين، فإن القصف الإيراني الواسع الذي استهدف قواعد ومنشآت حيوية في عدة دول بالمنطقة، أجبر أعدادًا كبيرة من الجنود الأمريكيين على مغادرة قواعدهم والانتشار في فنادق ومقار غير عسكرية، في محاولة للحفاظ على استمرارية العمليات.

 

إدارة الحرب عن بُعد.. واقع جديد للجيش الأمريكي

 

تشير التقديرات العسكرية إلى أن نسبة كبيرة من القوات البرية الأمريكية باتت تدير عملياتها العسكرية عن بُعد، في حين تواصل القوات الجوية وحدها تنفيذ الضربات عبر الطيارين وأطقم التشغيل والصيانة.

 

هذا التحول يعكس ضغطًا ميدانيًا متزايدًا على البنية العسكرية الأمريكية، حيث لم تعد القواعد التقليدية آمنة أو قابلة للاستخدام الكامل، ما فرض نمطًا جديدًا من “الحرب اللامركزية”.

 

وفي هذا السياق، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن العمليات العسكرية مستمرة بوتيرة متصاعدة، مشيرًا إلى تنفيذ آلاف الضربات داخل إيران، مع زيادة يومية في كثافتها.

 

إعادة انتشار واسعة وتحديات لوجستية معقدة

 

مع بداية التصعيد، كان هناك نحو 40 ألف جندي أمريكي في المنطقة، لكن القيادة المركزية الأمريكية أعادت توزيع آلاف منهم، حيث تم نقل بعض القوات إلى أوروبا، بينما بقي آخرون في الشرق الأوسط ولكن خارج قواعدهم الأصلية.

 

هذا الانتشار غير التقليدي خلق تحديات لوجستية كبيرة، خاصة فيما يتعلق بنقل المعدات الثقيلة وتأمين الاتصالات والقيادة والسيطرة.

 

الرقيب المتقاعد ويس جيه براينت أوضح أن إنشاء مراكز عمليات مؤقتة أمر ممكن، لكنه يأتي على حساب الكفاءة القتالية، مؤكدًا أن العمل من مواقع مثل الفنادق يفرض قيودًا كبيرة على الأداء العسكري.

 

ضربات إيرانية مركّزة تشل البنية العسكرية

 

الرد الإيراني على الضربات الأمريكية-الإسرائيلية جاء واسع النطاق، حيث استهدفت طهران قواعد عسكرية وسفارات ومنشآت طاقة في عدة دول بالمنطقة، مستخدمة مزيجًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

كما عملت إيران على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، في خطوة زادت من تعقيد المشهد الاقتصادي والعسكري.

 

وأدت هذه الهجمات إلى خروج عدد من القواعد الأمريكية عن الخدمة، خاصة في الكويت، حيث أسفر استهداف ميناء الشعيبة عن مقتل جنود أمريكيين، فيما تعرضت قواعد رئيسية في قطر والبحرين والسعودية لأضرار متفاوتة.

 

اتهامات إيرانية وتصعيد استخباراتي

 

في موازاة العمليات العسكرية، صعّد الحرس الثوري الإيراني من لهجته، داعيًا السكان إلى الإبلاغ عن مواقع تمركز القوات الأمريكية الجديدة.

 

واتهمت طهران واشنطن باستخدام المدنيين كـ“دروع بشرية” عبر نشر الجنود داخل منشآت مدنية، في إشارة إلى الفنادق والمقار المؤقتة.

 

اعتراف أمريكي باستمرار القدرات الإيرانية

 

رغم الحملة الجوية المكثفة، أقر الجنرال دان كين بأن إيران لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، خاصة في مجال الصواريخ والدفاعات متعددة الطبقات.

 

وأشار إلى أن البنتاغون يعمل على تعزيز أنظمة الحماية للقوات المنتشرة، في محاولة للحد من الخسائر والحفاظ على القدرة التشغيلية.

 

جذور الأزمة.. قواعد قديمة في حرب جديدة

 

يرى محللون أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى طبيعة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي بُنيت خلال حروب سابقة مثل العراق وأفغانستان، عندما كانت الولايات المتحدة تتمتع بتفوق جوي شبه مطلق.

 

أما اليوم، فتواجه هذه القواعد تهديدات متطورة، خاصة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، ما جعلها أهدافًا سهلة نسبيًا في أي مواجهة واسعة.