في اليوم الـ 26 من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عاد المشهد إلى حقيقته الأولى: لا حسم عسكريا، ولا تهدئة سياسية، ولا قدرة على إقناع أحد بأن باب التفاوض مفتوح فعلا.
القناة الـ 12 الإسرائيلية قالت إن الدفاعات الجوية اعترضت هجمات صاروخية أُطلقت من إيران، بينما أعلن الحرس الثوري الإيراني إطلاق الموجة الـ 80 من عملية «الوعد الصادق 4».
وفي الوقت نفسه دوت صفارات الإنذار في إيلات والقدس المحتلة ووسط إسرائيل، فيما سُمع دوي انفجارات في غرب وشرق طهران، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ هجمات على بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني في العاصمة. هذه ليست لحظة اقتراب من النهاية.
هذه لحظة تثبيت للاستنزاف المتبادل، حيث يتحدث الجميع عن السلام فيما تستمر الصواريخ والغارات كأنها اللغة الوحيدة الباقية.
صواريخ تتجدد والحسم يتأجل
المعنى الأول للموجة الـ 80 ليس عددها فقط، بل دلالتها. بعد 26 يوما من القصف الأمريكي الإسرائيلي، ما زالت إيران قادرة على إطلاق موجات صاروخية جديدة تضرب عمق إسرائيل أو على الأقل تُجبرها على تشغيل منظومات الاعتراض والإنذار على نطاق واسع. الجبهة الداخلية الإسرائيلية أقرت بدوي صفارات الإنذار في مناطق متفرقة بعد رصد الهجمات، من إيلات إلى القدس ووسط إسرائيل، من دون تسجيل إصابات حتى اللحظة.
وفي المقابل، تؤكد الغارات والانفجارات في طهران أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تنتقلا من منطق الضرب إلى منطق التسوية، بل تواصلان استهداف البنية الإيرانية فيما تدفعان بخطاب تفاوضي مواز. هذا التزامن نفسه يفضح فشل الرهان على «ضربة كاسرة» تنهي الحرب سريعا.
العقيد الركن نضال أبو زيد وصف هذه المرحلة قبل أيام بأنها مرحلة «انتزاع زمام المبادرة»، حيث يحاول كل طرف الحفاظ على الزخم العسكري ومنع الطرف الآخر من ادعاء التفوق. هذا التوصيف يبدو الأكثر دقة الآن.
فالحرب لم تعد تتحرك بمنطق التقدم الخطي نحو نصر واضح، بل بمنطق إدارة الإيقاع: من يطلق أكثر، من يربك أكثر، ومن يثبت أنه ما زال حاضرا رغم الخسائر.
لذلك تبدو الموجة الـ 80 رسالة سياسية بقدر ما هي عملية عسكرية: إيران تقول إنها لم تُكسر، وإسرائيل تقول إنها ما زالت تضرب العاصمة نفسها. وبين الرسالتين يضيع الحديث عن اقتراب النهاية.
والأهم أن هذا المشهد ينسف السردية الأمريكية القديمة عن حرب «جراحية» قصيرة. العميد حسن جوني كان قد قال إن الضربات الجوية، بعد الأيام الأولى، لم تحقق أهدافها المعلنة بما يكفي، وإن الواقع الميداني دفع واشنطن إلى التفكير في خيارات أشد اتساعا. وبعد مرور 26 يوما، لم يعد هذا تقديرا مبكرا فقط، بل وصفا لورطة ممتدة. لا إسقاط سريع للنظام. لا وقف لقدرة إيران على الرد. لا استعادة كاملة للردع. فقط توسع في مساحة النار وكلفة أعلى على المنطقة كلها.
تفاوض تحت القصف.. وواشنطن تراهن على وسطاء
في الخلفية، يصر دونالد ترامب على الحديث عن «فرص واعدة جدا» لاتفاق مع إيران، ويقول إنها «جادّة هذه المرة». لكن المشكلة أن ما تقوله واشنطن علنا لا يطابق ما تفعله على الأرض. تقارير أمريكية وغربية تحدثت عن تبادل رسائل بين طهران وواشنطن عبر مصر وتركيا وباكستان، وعن خطة أمريكية من 15 بندا لإنهاء الحرب، ما زال عقد اجتماع بشأنها قيد البحث، مع طرح باكستان كمكان محتمل. وفي الوقت نفسه، تنقل هذه التقارير أن طهران لا ترغب في استئناف التفاوض مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وتفضل جيه دي فانس، بينما تبقى شديدة الشك في أي انفتاح أمريكي يجري تحت القصف المستمر.
هذه الازدواجية ليست تفصيلا. هي قلب المشهد. أكسيوس نقلت أن إيران تعتبر دفع ترامب نحو السلام ربما مجرد خدعة جديدة، بعد سوابق دعائية رافقت تحركات عسكرية وتصعيدا ميدانيا. وأسوشيتد برس أكدت أن الخطة الأمريكية وصلت عبر وسطاء، وأن مسؤولين مصريين وباكستانيين وصفوها بأنها إطار شامل، لكن إيران ما زالت تنكر وجود مفاوضات مباشرة وتتعامل مع المسار كله بريبة ثقيلة. المعنى هنا أن واشنطن تريد أن تفاوض من موقع الضرب، لا من موقع وقف الضرب. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث عن «فرص واعدة» أقرب إلى إدارة انطباع سياسي منه إلى اختراق حقيقي.
الخبير الأمريكي الذي نقلت الجزيرة عنه أن «الحرب الإيرانية خرجت عن السيطرة» لم يكن يبالغ. فالتناقض بين تصريحات ترامب عن قرب التفاهم وبين استمرار العمليات، وارتفاع أسعار الطاقة، واتساع مساحة الاشتباك، يؤكد أن القرار العسكري يسبق القرار السياسي ولا ينتظر نضجه. وهذا يعني أن الوسطاء، ومنهم مصر وتركيا، يتحركون في مساحة ضيقة للغاية: وقف حرب لا يريد طرفاها حتى الآن وقفها إلا بشروط أقرب إلى الإملاء منها إلى التسوية.
لبنان يدفع الثمن الإضافي
وإذا كان الميدان الإيراني الإسرائيلي يراوح بين الصاروخ والخطاب، فإن لبنان يُدفع أكثر فأكثر إلى جبهة مفتوحة. حزب الله أعلن أنه استهدف بالطائرات المسيّرة والصواريخ تجمعات للجنود الإسرائيليين في بلدات ومواقع حدودية، بالتزامن مع هجوم إسرائيلي مكثف على الضاحية الجنوبية لبيروت وغارات على مدن وبلدات في الجنوب. هذا التطور لا يمكن فصله عن الحرب الكبرى، بل هو أحد مسارات تمددها. فإسرائيل لا تخفي أنها توسع عملياتها في لبنان بالتوازي مع ضرب إيران، وقد أعلنت خططا للسيطرة على شريط واسع في الجنوب حتى نهر الليطاني، بينما يرد حزب الله باعتبار ذلك تهديدا وجوديا يستوجب القتال.
العميد إلياس حنا كان قد وصف التكتيك الإسرائيلي في الجنوب اللبناني بأنه «قضم متدرج»، يقوم على تثبيت مراكز جديدة وإفراغ قرى كاملة وتحويلها إلى أرض بلا سكان. وفي المقابل، قال نضال أبو زيد إن حزب الله غيّر تكتيكه من الدفاع الثابت إلى الدفاع المرن، مستفيدا من دروس الحرب السابقة. وهذا يفسر لماذا لا تبدو الجبهة اللبنانية مجرد امتداد ثانوي للحرب، بل مسرحا موازيا لتثبيت وقائع جديدة بالقوة. النتيجة أن لبنان يدفع الثمن مضاعفا: قصف وضغط ديمغرافي وتآكل للسيادة، بينما تُستخدم أرضه لتصفية حسابات تتجاوز حدوده.
الخلاصة أن الموجة الـ 80 ليست مجرد خبر عسكري جديد. هي إعلان واضح بأن الحرب دخلت طورا طويلا من الإنهاك المتبادل، وأن كل حديث عن تفاوض يظل حتى الآن مغطى بدخان الغارات. إيران تواصل الرد، إسرائيل تواصل القصف، واشنطن تروّج لخطة وتبقي يدها العسكرية مشدودة، ولبنان يُسحب أكثر إلى النار. هذه ليست مرحلة سلام مؤجل. هذه مرحلة حرب مستمرة يقال فيها الكثير عن التسوية، لكن ما يُنفذ فعلا هو المزيد من القصف وتوسيع الجبهات.

