أرجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربات إلى منشآت الكهرباء والطاقة في إيران لمدة 5 أيام، بعد يومين قال إنهما شهدا محادثات “جيدة وبنّاءة” مع طهران حول “حلول نهائية” للحرب المستمرة منذ 28 فبراير.
لكن طهران ردت سريعًا بنفي قاطع لأي اتصال مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، معتبرة أن حديث ترامب محاولة لإدارة الضغوط الدولية وتهدئة أسواق الطاقة لا أكثر.
القرار الأميركي لم يأتِ من موقع قوة مطلقة، بل بعد تهديد إيراني مباشر باستهداف محطات الكهرباء في إسرائيل والمنشآت التي تزود القواعد الأميركية بالطاقة في الخليج إذا تعرضت شبكتها الكهربائية للهجوم.
هكذا بدت مهلة الأيام الـ 5: تأجيل اضطراري لضربة عالية الكلفة، لا اختراقًا سياسيًا مؤكدًا.
ترامب يعلن “محادثات مثمرة”.. وإيران تنسف الرواية من أصلها
ترامب أعلن عبر منصته أنه أصدر تعليماته بتأجيل أي ضربات عسكرية على منشآت الطاقة الإيرانية 5 أيام، بعد ما وصفه بـ“محادثات جيدة جدًا ومثمرة” خلال اليومين الماضيين، وقال إن هناك “نقاط اتفاق رئيسية” قد تفتح الطريق إلى تسوية توقف الحرب.
رويترز نقلت أن هذه الاتصالات جرت عبر مبعوثه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وأن واشنطن ربطت استمرار التأجيل بمسار التفاهمات الجارية خلال هذا الأسبوع. هذا يعني أن القرار ليس إلغاءً للخيار العسكري، بل تجميدًا مؤقتًا له بانتظار ما إذا كانت الاتصالات ستنتج شيئًا عمليًا.
لكن الرواية الأميركية اصطدمت فورًا بالنفي الإيراني.
وسائل إعلام إيرانية، بينها وكالة فارس، قالت إنه لا توجد أي اتصالات مباشرة أو غير مباشرة مع واشنطن، وإن ما يعلنه ترامب لا يعكس مفاوضات حقيقية بل محاولة لكسب الوقت، وتهدئة الأسواق، وإعادة ترتيب التصعيد.
وكالة أسوشيتد برس نقلت أيضًا نفيًا علنيًا من مسؤولين إيرانيين، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي اعتبر أن واشنطن تستخدم هذه التصريحات في الحرب النفسية والتلاعب بالسوق.
التناقض هنا ليس تفصيلًا جانبيًا. هو جوهر الأزمة: واشنطن تتحدث عن تفاوض، وطهران تتحدث عن خداع سياسي تحت غطاء دبلوماسي.
وفي قراءة هذا التناقض، قال أندرو بيشوب، رئيس أبحاث السياسات في شركة استشارية دولية، إن مهلة ترامب قد تكون محاولة لتغليف تراجع تكتيكي في صورة تقدم تفاوضي، بحيث لا يبدو البيت الأبيض كأنه تراجع تحت التهديد الإيراني المباشر. هذا التقدير لا يثبت وجود اتفاق، لكنه يفسر لماذا تعمد واشنطن الحديث عن “محادثات مثمرة” في اللحظة نفسها التي تنفي فيها طهران أصل الاتصال.
السبب المباشر للتأجيل: إيران رفعت كلفة الضربة قبل وقوعها
التهديد الإيراني لم يكن عامًا أو فضفاضًا. بيان الحرس الثوري قال بوضوح إن أي استهداف لشبكة الكهرباء الإيرانية سيقابله رد مباشر على محطات توليد الكهرباء في إسرائيل، وعلى المنشآت التي تمد القواعد الأميركية بالطاقة في المنطقة.
رويترز وصفت هذا بأنه انتقال إلى معادلة “الرد بالمثل”، بعدما كانت طهران قد هددت سابقًا حتى منشآت تحلية المياه قبل أن تتراجع عن هذا الجزء وتبقي التركيز على الطاقة والكهرباء.
معنى ذلك أن أي ضربة أميركية كانت ستفتح فورًا باب ضرب البنية التحتية الحساسة لدى الحلفاء والقوات الأميركية، لا مجرد رد رمزي محدود.
هذا التصعيد جاء بعد تهديد ترامب نفسه بتدمير محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم تُفتح الملاحة في مضيق هرمز خلال 48 ساعة. وبذلك انتقلت المواجهة من منطق القصف التقليدي إلى استهداف مباشر لعصب الحياة الاقتصادية في الإقليم.
وكالة أسوشيتد برس نقلت أن البيت الأبيض كان يربط بين إعادة فتح المضيق وبين تجميد ضرب منشآت الطاقة، ما يعني أن الطاقة والملاحة صارتا ورقتين متداخلتين في قلب الأزمة، لا ملفين منفصلين.
ومن الزاوية العسكرية والقانونية، تبدو الضربة نفسها شديدة الحساسية.
صحيفة وول ستريت جورنال نقلت عن الخبير القانوني العسكري مايكل شميت أن استهداف البنية الكهربائية قد يكون مشروعًا فقط إذا حقق ميزة عسكرية مباشرة ومحددة، وبشرط مراعاة التناسب وتقليل الأذى اللاحق بالمدنيين.
في حالة إيران، حيث الشبكة الكهربائية مرتبطة بالمياه والتبريد والنقل والخدمات الأساسية، فإن أي هجوم عليها يفتح فورًا بابًا واسعًا للاتهام باستهداف مرفق مدني ذي أثر إنساني واسع، لا مجرد هدف عسكري ضيق.
هرمز والطاقة والأسواق.. الحرب تدفع الجميع إلى حافة لا يملك أحد ضبطها
مهلة الأيام الـ 5 لم تهبط من السماء. الأسواق التقطت الرسالة فورًا. بعد إعلان ترامب التأجيل، هبطت أسعار النفط بقوة، وانتعشت الأسهم، لأن السوق قرأت القرار باعتباره تراجعًا مؤقتًا عن ضربة كانت قد تدفع نحو فوضى أوسع في الخليج ومضيق هرمز.
رويترز ذكرت أن التهديدات المتبادلة حول المضيق والطاقة رفعت بالفعل المخاوف من تعطل تدفقات عالمية حيوية، وأن أي ضربة إضافية على منشآت الكهرباء أو النفط كانت ستضاعف الاضطراب في الإمدادات.
ومضيق هرمز هنا ليس مجرد عنوان سياسي. هو واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم، وقد أكدت التقارير أن إيران ربطت عودة الملاحة إلى طبيعتها بوقف الضغوط العسكرية وإصلاح منشآت الطاقة المتضررة.
كما لوحت بخيارات تصعيدية أشد، بينها إغلاق المضيق بالكامل وربما تلغيمه إذا تعرضت لهجوم مباشر.
هذا يفسر لماذا لم تعد معركة الكهرباء شأنًا تقنيًا. هي معركة على شريان الطاقة العالمي نفسه.
في هذا السياق، قال فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، إن الحرب الحالية تمثل تهديدًا “كبيرًا جدًا” للاقتصاد العالمي، وإن خسائر الإمدادات تجاوزت صدمات تاريخية سابقة.
هذه الشهادة مهمة لأنها تضع قرار ترامب في حجمه الحقيقي.
التأجيل لم يكن مجرد لفتة دبلوماسية. كان اعترافًا بأن ضرب منشآت الطاقة الإيرانية الآن قد يطلق أزمة اقتصادية أوسع من قدرة واشنطن على احتوائها.
ويضيف الجنرال الأميركي المتقاعد ديفيد ديبتولا أن استهداف منشآت الكهرباء والطاقة لا يُقاس فقط بقدرة الضربة على التعطيل، بل أيضًا بحجم الأثر الممتد على السكان والبنية المدنية.
وهذا يعني أن قرار التأجيل يعكس أيضًا حسابًا عسكريًا باردًا: الضربة ممكنة، لكن نتائجها قد تتجاوز كثيرًا هدفها المباشر.
لذلك تبدو مهلة الـ 5 أيام أقل شبهًا بفرصة سلام، وأكثر شبهًا باعتراف أميركي بأن كلفة التصعيد الفوري باتت أعلى من قدرة واشنطن على ادعاء السيطرة على نتائجه.

