تبدأ الحكومة من آخر مارس جولة جديدة من التقشف لا تمس البنود الهامشية بل تضرب إيقاع العمل اليومي نفسه، بعد تكليفات مصطفى مدبولي بترشيد استهلاك الكهرباء في المباني والمرافق الحكومية طوال ساعات العمل، مع الالتزام بإطفاء الإنارة الداخلية والخارجية بعد انتهاء الدوام، وخفض إنارة أعمدة الشوارع والطرق بنسبة لا تقل عن 50%، بينما تحدثت الصحف الرسمية أيضا عن إلغاء فعاليات حكومية واتجاه إلى إغلاق الحي الحكومي في العاصمة الإدارية مبكرا بعد عطلة عيد الفطر، في رسالة واضحة تقول إن الدولة لم تعد تدير أزمة عابرة بل تشتري وقتا إضافيا أمام فاتورة طاقة تتضخم بسرعة أكبر من قدرة الموازنة على الاحتمال.

 

ضغط الفاتورة لا يحتاج إلى كثير شرح، فاقتصاد الشرق نقلت هذا الأسبوع أن مصر خصصت نحو 9.5 مليار دولار لاستيراد الغاز والوقود في السنة المالية 2025 - 2026، مقابل أكثر من 6 مليارات دولار أُنفقت في العام الجاري حتى الآن، كما قدّرت احتياجات البلاد بنحو 203 شحنات غاز مسال خلال 2026 في سيناريو أكثر كلفة، بعد تراجع الإنتاج المحلي ودخول ملف الطاقة مرحلة أشد تعقيدا من مجرد تجاوز انقطاعات الصيف، لذلك لم تعد قرارات الترشيد تبدو خيارا إداريا، بل انعكاسا مباشرا لعجز هيكلي تدفع ثمنه الدولة والمستهلك معا.

 

إطفاء مبكر للمدينة الرسمية وحظر غير معلن على النشاط

 

القرارات التي تتسرب من الحكومة لا تقف عند حدود المكاتب، بل تمتد إلى المجال التجاري والخدمي، ففي رمضان 2026 حددت وزارة التنمية المحلية مواعيد غلق للمحال والمولات والمطاعم، ومع تصاعد الحديث عن تشديد الترشيد بعد العيد، عاد الجدل حول تقليص ساعات النشاط التجاري بوصفه أداة لتخفيف الأحمال، وهي أداة سهلة على الورق لكنها قاسية على السوق، لأن أي تقليص جديد لساعات العمل يعني ببساطة خفضا في المبيعات وزيادة في الضغوط على محال تعاني أصلا من تباطؤ الطلب وارتفاع الكلفة، وبذلك يتحول علاج أزمة الطاقة إلى عبء إضافي على دورة الاقتصاد اليومية لا إلى حل فني نظيف ومعزول.

 

هنا يبرز رأي الدكتور أحمد الشامي خبير اقتصاديات النقل البحري، الذي قال في 9 مارس إن المسارات القادمة من شرق آسيا إلى أوروبا تأثرت بوضوح، مع توقعات بارتفاع أسعار الشحن مع تسارع الأحداث العسكرية، وهو تقدير يفسر لماذا لا تتوقف الأزمة عند محطة الكهرباء أو المكاتب الحكومية، لأن الاضطراب في الشحن يرفع كلفة الوقود والسلع ومدخلات الإنتاج معا، ثم تعود الحكومة لتطلب من السوق أن يتحمل الإغلاق المبكر والعمل عن بعد وتخفيف الإنارة، أي أنها تنقل أثر الحرب الخارجية إلى الداخل عبر سلسلة كاملة من الأعباء لا عبر بند واحد فقط.

 

فاتورة الطاقة تكشف فشل التخطيط لا قسوة السوق فقط

 

الخبير الاقتصادي هاني جنينة قال قبل أيام إن التضخم مرشح للتسارع في مارس وأبريل بسبب ارتفاع أسعار الشحن منذ بدء الأحداث، وأضاف أن ذلك سيرفع أسعار السلع، وهذه قراءة مهمة لأنها تربط بين ملف الطاقة وملف المعيشة مباشرة، فالدولة لا تواجه فقط صعود تكلفة الغاز والمازوت، بل تواجه أثرا متسلسلا يمر من الميناء إلى المصنع إلى المخبز إلى المستهلك، ومعنى ذلك أن أي قرار تقشفي لن يبقى داخل حدود الكهرباء، بل سيتحول إلى ضغوط أوسع على الأسعار في بلد يعاني أصلا من تضخم مرتفع وضعف في الدخول.

 

الأرقام نفسها تكشف أن الأزمة أعمق من رواية ظرف إقليمي طارئ، فإدارة معلومات الطاقة الأميركية قالت في 10 مارس إن متوسط سعر خام برنت قفز من 71 دولارا للبرميل في 27 فبراير إلى 94 دولارا في 9 مارس مع بداية العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، بينما أظهرت بيانات Trading Economics وصول برنت إلى نحو 109 دولارات في 18 مارس، أي أن السوق العالمية دخلت فعلا منطقة صدمة، لكن هذا لا يعفي الحكومة من سؤال أوضح، لماذا تصل البلاد إلى لحظة تصبح فيها أي قفزة في النفط تهديدا مباشرا لإطفاء الشوارع وإرباك العمل والتلويح بإغلاق مبكر، إذا كانت الخطط الرسمية تتحدث منذ سنوات عن تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الاستيراد.

 

في هذا السياق يبدو كلام المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق شديد الدلالة، إذ قال إن استراتيجية إحلال جزء من الوقود الأحفوري بالطاقة الجديدة والمتجددة وُضعت زمنيا لكن تنفيذها لم يتحقق كما ينبغي، وهذه الملاحظة تقطع مع الرواية الحكومية المريحة التي تقدم التقشف بوصفه استجابة ذكية للأحداث، لأن الحقيقة الأقسى أن ما يجري اليوم هو دفع متأخر لثمن تأجيلات سابقة في الإنتاج والاستثمار والتنويع، ولذلك تبدو قرارات مثل خفض إنارة الطرق أو غلق الحي الحكومي مبكرا أقرب إلى إدارة نقص لا إلى إدارة تحول حقيقي في بنية الطاقة.

 

الرسائل السياسية لا تخفي الأزمة بل تكشفها

 

وفي موازاة هذه القرارات تحاول الدولة تغليف المشهد بخطاب سياسي ودبلوماسي، عبر جولة خارجية لوزير الخارجية بدر عبد العاطي في الخليج للتنسيق بشأن التصعيد العسكري، مع تأكيد رسمي رفض أي ترتيبات أمنية مفروضة على الدول العربية، كما صدرت قرارات بإخلاء سبيل 28 محبوسا احتياطيا في فبراير، وأعلنت وزارة الداخلية منح جميع النزلاء زيارة استثنائية بمناسبة عيد الفطر، لكن هذه الرسائل لا تلغي الحقيقة الأساسية، وهي أن الحكومة تدخل موسم العيد بإجراءات ترشيد قاسية لأنها تواجه اختناقا في فاتورة الطاقة والعملات الأجنبية، لا لأنها اختارت فقط نمطا أكثر كفاءة للإدارة. لهذا فإن تقشف الطاقة ليس تفصيلا فنيا معزولا، بل عنوانا لأزمة أوسع، دولة تطفئ أكثر، وتستورد أكثر، وتطلب من السوق والمواطن أن يتكيفا مع كلفة الخلل من دون أن تقدم حتى الآن جوابا مقنعا عن سبب الوصول إلى هذه الحافة أصلا.