يربطُ الأكاديمي والباحث عصام عبد الشافي بين الغضب الحالي من غياب الدور المصري في أزمات الإقليم وبين ما جرى في صيف 2013، معتبرًا أن من يهاجمون اليوم النظام الحاكم في القاهرة بسبب عجزه عن التأثير أو الرد أو الحضور، هم أنفسهم من أسهموا، سياسيًا أو ماليًا أو إعلاميًا، في تثبيت المسار الذي انتهى إلى إضعاف الدولة وتجريف المجال العام وتهميش مصر إقليميًا. هذا الطرح أعاده عبد الشافي في منشور مباشر اللهجة، حمّل فيه داعمي الانقلاب مسؤولية ما آلت إليه مكانة مصر، في لحظة تتزايد فيها انتقادات عربية وخليجية لضعف النظام المصري وهشاشته السياسية وتآكل قدرته على الفعل خارج حدوده.

 

وفي منشوره، خاطب عبد الشافي من سماهم “الناقمين” على النظام، قائلًا إن ما يحدث الآن هو “حصاد أعمالكم”، لأنهم، بحسب تعبيره، خططوا ودعموا ومولوا وشاركوا بكل إمكاناتهم في الانقلاب على “الرئيس الشرعي المنتخب” عام 2013، كما اتهمهم بالمساهمة في تهميش دور مصر وتدمير حواضنها الشعبية الحقيقية والبطش بالمخلصين فيها. هذا الخطاب لا يقدم مجرد هجوم سياسي على خصومه، بل يعيد ترتيب المسؤولية التاريخية عن لحظة يعتبرها كثير من معارضي السلطة نقطة الانكسار الكبرى في الداخل والدور الإقليمي معًا.

 

 

السياق الذي أعاد هذا النقاش إلى الواجهة لا ينفصل عن الانتقادات المتزايدة التي خرجت أخيرًا من بعض الأصوات الخليجية تجاه نظام عبد الفتاح السيسي، بعد سنوات طويلة من الدعم السياسي والمالي. ففي تقارير حديثة جرى رصد تحولات لافتة في الخطاب الإعلامي السعودي تجاه السيسي، وصلت إلى تداول تكهنات علنية بشأن نهاية حكمه في 2026، كما أعادت مواد صحفية التذكير بانتقادات أقدم لعبد الخالق عبد الله، الذي وصف النظام المصري قبل سنوات بأنه بات “عبئًا سياسيًا وماليًا” على الخليج، مشيرًا إلى أن عشرات المليارات التي قُدمت لمصر بعد 2013 لم تنعكس إيجابًا على معيشة الناس. هذه الخلفية تمنح كلام عبد الشافي وزنًا إضافيًا، لأنه لا يصدر في فراغ، بل وسط تصدع واضح في صورة النظام حتى لدى بعض من دعموه أو راهنوا عليه.

 

من دعم الانقلاب إلى الشكوى من الغياب

 

جوهر رسالة عبد الشافي أن الاعتراض المتأخر على ضعف النظام لا يبرئ من شاركوا في صنعه أو في تثبيت شروط بقائه. هذا الربط يستند إلى قراءة سياسية تعتبر أن إقصاء أول رئيس مدني منتخب في 3 يوليو 2013 لم يكن مجرد تغيير سلطة، بل كان بداية مسار أوسع أعاد تشكيل الدولة على قاعدة أمنية خالصة، وضيق المجال السياسي، ورفع كلفة المشاركة العامة، وهو ما انعكس لاحقًا على قدرة مصر على إنتاج سياسة خارجية مستقلة أو بناء شرعية داخلية قادرة على حمل أي دور إقليمي حقيقي.

 

هذه الفكرة تظهر أيضًا في المسار الفكري والسياسي لعبد الشافي نفسه، الذي طرح في مناسبات مختلفة ضرورة بناء بديل سياسي منظم لمواجهة ما يسميه سياسات النظام القمعية، وتحدث عن مستقبل التحولات السياسية في مصر من زاوية أزمة العلاقة بين الدولة والمجتمع بعد 2013. لذلك فإن منشوره الأخير لا يبدو معزولًا عن خطه العام، بل يأتي امتدادًا لموقف مستقر يرى أن منطق الاستئصال الداخلي أنتج بالضرورة انكماشًا خارجيًا، وأن كلفة سحق المجال السياسي لم تتوقف عند الداخل المصري فقط.

 

في المقابل، فإن تحميل النخب العربية والخليجية جزءًا من المسؤولية ليس جديدًا في خطاب المعارضة المصرية. الجديد أن هذا الاتهام صار يلتقي اليوم مع حالة إحباط خليجي معلنة أو شبه معلنة من أداء النظام. ففي مقابلات وتصريحات سابقة، قال عبد الخالق عبد الله إن هناك استياءً خليجيًا من أداء القاهرة الداخلي والخارجي، وإن النظام أصبح عبئًا يصعب تحمله طويلًا، حتى لو ظل التخلي عن مصر غير وارد في تلك اللحظة. هذا يعني أن السؤال لم يعد مقتصرًا على خصوم السيسي، بل تمدد إلى دوائر كانت أقرب إلى دعمه، ثم بدأت تتحدث عن كلفة هذا الرهان وعن محدودية عوائده.

 

نخب خليجية تراجع الرهان القديم

 

الإشارة إلى عبد الخالق عبد الله وعدد من الكتّاب والنخب الخليجية ليست هامشية في هذا السياق. فالرجل كان من الأصوات التي دافعت عن تصور خليجي لدور قيادي عربي بعد تراجع مراكز الثقل التقليدية، ثم عاد ليعبّر عن إحباط من النظام المصري نفسه، ومن عدم ترجمة الدعم الضخم الذي تلقاه إلى نتائج داخلية أو إقليمية مقنعة. وفي مقالات حديثة عن “اللحظة الخليجية” أعيد التذكير بدعوته القديمة إلى الاعتراف بأن القيادة العربية انتقلت إلى الخليج، في خطاب يعكس كيف جرى النظر إلى مصر ما بعد 2013 باعتبارها طرفًا مدعومًا أكثر من كونها طرفًا قائدًا.

 

هذا التحول في النظرة الخليجية لا يعني بالضرورة انقلابًا كاملًا على النظام، لكنه يكشف أن صورته تآكلت حتى في البيئات التي رأت فيه يومًا أداة استقرار أو حائط صد. والتقارير الأحدث التي رصدت تصاعد لهجة بعض الإعلاميين السعوديين ضد السيسي، وحديثهم عن هشاشة النظام أو احتمالات نهايته، تضيف إلى المشهد بُعدًا جديدًا. فالنقد هنا لم يعد صادرًا فقط عن خصوم النظام أو منفى المعارضة، بل بدأ يظهر في ساحات كانت لسنوات جزءًا من شبكة دعمه المعنوي والسياسي.

 

ومن هذه الزاوية، تبدو رسالة عبد الشافي كأنها تقول لمنتقدي الغياب المصري الراهن: لا تفصلوا النتيجة عن مقدماتها. لا يمكن تدمير السياسة ثم طلب دولة مؤثرة.

 

لا يمكن دعم الاستبعاد والقمع ثم توقع نظام ذي شرعية وحضور. ولا يمكن إسناد مشروع كامل إلى القوة الأمنية والمساندة الخارجية ثم الدهشة من عجزه عندما تتبدل الظروف أو تتراجع مظلات الدعم. هذا المنطق يفسر لماذا أعاد عبد الشافي استخدام لغة شديدة الحدّة، لأنه لا يناقش أداء حكومة أو خطأ تكتيكيًا، بل يناقش مسارًا كاملًا يعتبره أصل الأزمة.

 

أزمة دور لا أزمة لحظة

 

القضية التي يثيرها هذا الجدل أكبر من سجال بين معارضين ومؤيدين. إنها تتعلق بمكانة مصر نفسها في الإقليم، وبسؤال: هل يمكن لدولة أن تحافظ على وزنها الخارجي بينما تتآكل قاعدتها السياسية الداخلية. كثير من المراقبين الذين تابعوا التحولات المصرية بعد 2013 رأوا أن تثبيت السلطة تم على حساب حيوية المجتمع ومجال السياسة ومرونة الدولة، وأن النتيجة كانت نظامًا أكثر صلابة أمنية، لكنه أقل قدرة على الإقناع والتأثير وبناء المبادرات. ولهذا، فإن الانتقاد الراهن لعجز القاهرة في أزمات المنطقة لا يقرأه عبد الشافي باعتباره مجرد شكوى من الحاضر، بل شهادة متأخرة على خطأ التأسيس كله.

 

وفي هذا الإطار، تبدو عبارة “هذا حصاد أعمالكم” مفتاحًا للنص كله. فهي لا تستهدف فقط من دعموا الانقلاب في الداخل المصري، بل تمتد أيضًا إلى من رافقوه من ممولين وكتّاب ونخب إقليمية رأوا في إزاحة المسار الديمقراطي خطوة مقبولة أو مفيدة. اليوم، وبعد أكثر من عقد، يعود الجدل في صيغة معكوسة: الذين ساعدوا على إنتاج السلطة الحالية يشتكون من ضمور الدور المصري، بينما يرد عليهم معارضون مثل عبد الشافي بأنهم يواجهون النتيجة الطبيعية لما فعلوه.

 

ويكتسب هذا السجال دلالة أكبر في ضوء الأزمات الإقليمية المتسارعة، التي تكشف كل يوم حدود القدرة المصرية على التأثير. فحين تتعرض دول عربية لاعتداءات أو تهديدات مباشرة، لا تظهر القاهرة في موقع المبادر ولا حتى في موقع القادر على صياغة موقف حاسم يتناسب مع ثقل مصر التاريخي. هذا الغياب لا يُقرأ هنا بوصفه مجرد حذر دبلوماسي، بل كعرض سياسي لهشاشة أعمق. هشاشة نظام فقد كثيرًا من شرعيته وحيويته ومجاله العام، فصار أقل قدرة على الحركة المستقلة، وأكثر ميلًا إلى إدارة البقاء بدل صناعة الدور.

 

ومن هنا، لا تبدو انتقادات بعض النخب الخليجية المتأخرة كافية في نظر عبد الشافي أو من يشاركونه هذا التقييم. لأن أصل المشكلة، كما يرونه، ليس في سوء أداء طارئ يمكن إصلاحه بتعديل خطاب أو تغيير تكتيك، بل في بنية كاملة جرى تثبيتها منذ 2013، على قاعدة إقصاء السياسة وتقديم الأمن على المجتمع، وتحويل مصر من مركز تأثير إلى ساحة إدارة أزمة دائمة. ولذلك، فإن الذين يبدون دهشتهم اليوم من عجز النظام عن نصرة العرب أو حتى عن اتخاذ موقف واضح، إنما يتجاهلون أنهم شاركوا، بدرجات متفاوتة، في صنع الشروط التي أوصلت الأمور إلى هذه النقطة.

 

الخلاصة أن منشور عصام عبد الشافي لم يكن تعليقًا عابرًا على لحظة إقليمية مرتبكة، بل مرافعة سياسية ضد سردية كاملة حاولت فصل ضعف مصر الراهن عن أصل تشكله بعد 2013. ومع عودة أصوات خليجية إلى انتقاد هشاشة النظام أو كلفته أو محدودية جدواه، يتسع هذا الجدل من جديد: ليس فقط من أضعف مصر، بل من شارك في ذلك، ثم عاد يتساءل لماذا غابت القاهرة عن لحظات كان يفترض أن تكون في قلبها. وفي هذا المعنى، يصبح العنوان الأوضح للمرحلة كما يطرحه عبد الشافي: من دعموا انقلاب 2013 يحصدون اليوم تراجع دور مصر وعجزها عن نصرة العرب.