فجّرت اعترافات المحامي علي أيوب في محاضر التحقيقات أزمة ثقيلة داخل وزارة الثقافة المصرية بعدما كشفت تفاصيل شبكة نفوذ متداخلة داخل ديوان الوزارة و"الهيئة العامة لقصور الثقافة".
التحقيقات المرتبطة بقضية السب والقذف المقامة من وزيرة الثقافة جيهان زكي، أظهرت بحسب أوراق رسمية وأقوال المتهم شبكة مصالح تضم مسؤولين إداريين ووسطاء ومقاولاً سابقاً. الوقائع المتداولة تشير إلى ما بات يوصف داخل الوزارة بـ"الخماسي" الذي ارتبط اسمه بتسريبات ومناورات إدارية واتهامات باستغلال النفوذ.
اعترافات علي أيوب تفتح ملف التسريبات
كشفت أوراق القضية التي حصلت عليها مصادر داخل الوزارة أن اعترافات المحامي علي أيوب تضمنت تفاصيل عن حصوله على مستندات وصور تقارير قال إنها وصلت إليه عبر وسيط يشار إليه باسم حركي "سعودي". التحقيقات ربطت هذا الاسم بمسؤول إداري داخل مكتب الوزيرة يمتلك صلاحيات الاطلاع على المكاتبات الداخلية والسرية.
وبحسب محاضر التحقيق، قال المتهم إن تلك المستندات استخدمت لاحقاً في نشر اتهامات على منصات التواصل الاجتماعي استهدفت وزيرة الثقافة جيهان زكي وحياتها الشخصية. الهدف المعلن – وفق ما ورد في التحقيقات – كان الضغط الإعلامي وإرباك الوزارة في لحظة تتصاعد فيها إجراءات مراجعة الملفات المالية والإدارية داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن هذه الواقعة جاءت في سياق صراع نفوذ داخلي بين مجموعات إدارية داخل الوزارة. هذا الصراع تفاقم بعد مراجعات مالية بدأت خلال العام الأخير لعدد من المشروعات والإنفاقات داخل قطاعات الوزارة.
يقول ممدوح الولي إن هذه القضية تعكس خللاً مؤسسياً أكثر من كونها أزمة أفراد. ويوضح أن "تسريب مستندات رسمية أو استخدامها في صراعات داخلية يعني وجود ثغرات حقيقية في منظومة إدارة المعلومات داخل المؤسسات الحكومية".
شبكة مصالح تمتد بين الديوان وقصور الثقافة
تشير روايات العاملين داخل الوزارة إلى أن ما يوصف بـ"الخماسي" يضم عدداً من المسؤولين والوسطاء الذين تربطهم علاقات مهنية ممتدة منذ سنوات. هذه الشبكة – بحسب المصادر – جمعت بين مسؤولين إداريين في ديوان الوزارة ومسؤولين سابقين في الهيئة العامة لقصور الثقافة ومقاول يتعامل مع مشروعات التوريد.
المصادر نفسها تتحدث عن مسار من المصالح المتقاطعة. قرارات إدارية وترقيات ومشروعات توريد كانت تمر عبر قنوات محددة داخل الديوان. هذه الشبكة – وفق الاتهامات المتداولة – كانت تسعى لحماية بعض المشروعات المالية المرتبطة بتوريدات ثقافية وتنفيذ أعمال داخل بيوت وقصور الثقافة في المحافظات.
وتربط المصادر بين هذه المصالح وبين صراع خفي حول مناصب قيادية داخل الوزارة، خصوصاً منصب وكيل الوزارة في بعض القطاعات. هذا الصراع، وفق الروايات، خلق بيئة من التسريبات الإعلامية وحملات التشهير المتبادلة.
الدكتور محمد أبو الغار يرى أن ما يجري داخل المؤسسات الثقافية ليس معزولاً عن طبيعة الإدارة الحكومية في مصر. ويقول إن "أي مؤسسة تمتلك ميزانيات ومشروعات ممتدة عبر المحافظات تصبح عرضة لتكوين شبكات مصالح إذا لم تكن الرقابة فعالة".
مطالب بتطهير إداري وتحقيقات مستقلة
مع تصاعد الأزمة، بدأت أصوات داخل الوسط الثقافي تطالب بفتح تحقيق إداري شامل داخل الوزارة. هذه المطالب تركز على مراجعة ملفات التوريدات والمقاولات المرتبطة ببعض المشروعات داخل الهيئة العامة لقصور الثقافة.
كما دعت هذه الأصوات إلى وقف صرف أي مستحقات مالية للشركات المرتبطة بالمقاول المشار إليه في القضية لحين انتهاء التحقيقات. وتشمل المطالب أيضاً مراجعة ملفات الترقيات الإدارية التي جرت خلال السنوات الأخيرة داخل قطاعات الوزارة.
وترى مصادر ثقافية أن لحظة صدور حكم الحبس بحق المحامي علي أيوب في قضية السب والقذف قد تمثل نقطة تحول في مسار القضية. فالحكم أعاد تسليط الضوء على الاتهامات التي يجري تداولها داخل الوزارة منذ شهور.
الخبير الإداري حمدي عرفة يقول إن التعامل مع مثل هذه القضايا يتطلب تحقيقات مؤسسية واضحة. ويضيف أن "المسار الطبيعي هو تشكيل لجان تحقيق مستقلة ومراجعة كل الملفات المالية والإدارية المرتبطة بالأسماء الواردة في القضية".
ويؤكد عرفة أن المؤسسات الثقافية تمثل جزءاً مهماً من البنية الثقافية للدولة، ولذلك فإن أي شبهات فساد داخلها يجب أن تُواجه بشفافية كاملة. ويضيف أن الحفاظ على مصداقية المؤسسات الثقافية لا يقل أهمية عن الحفاظ على المال العام.
في ظل هذه التطورات، يترقب الوسط الثقافي خطوات وزيرة الثقافة جيهان زكي خلال الفترة المقبلة. فالقضية لم تعد مجرد نزاع قانوني أو خلاف إداري، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الوزارة على إدارة أزمة داخلية معقدة تمس سمعتها ومؤسساتها الرئيسية.
الأسابيع المقبلة قد تكشف ما إذا كانت هذه الأزمة ستقود إلى مراجعة واسعة داخل وزارة الثقافة المصرية أم ستظل مجرد فصل جديد في صراعات النفوذ داخل المؤسسات الحكومية.

