طالب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الحكومةَ بالتواصل مع المواطنين، معلناً أنه يُحب الشفافية ومستعد للاستماع لمن لديه حل. التصريح الذي بدا وكأنه دعوة مفتوحة للحوار أشعل موجة سخرية عارمة على منصات التواصل، إذ سارع المصريون للتذكير بأن مقدمي الحلول في عهده لم يسلموا من القبض والسجن.

التناقض صارخ. رجل يحكم البلد بقبضة أمنية منذ 2013، ويُغلق باب الحوار السياسي، يخرج اليوم ليسأل: "مين عنده حل؟" الإجابة جاءت سريعة ومدوّية من آلاف المصريين: الحل موجود، لكن صاحبه إما محبوس أو خايف يتكلم.

"بحب الشفافية".. في زمن القضبان
قال السيسي لحكومته بوضوح:

"إنتو ليه مبتتكلموش مع الناس؟ أنا مبحبش الحكاية دي، بحب دايمًا أتكلم بشفافية، واللي عنده حل هنبقى سعداء جدًا إننا بنسمع منه"

https://x.com/AlArabiya_EGY/status/2032950779326197813

الكلام يبدو معقولاً للوهلة الأولى. لكن الذاكرة لا تنسى. الإعلامية هويدا زيدان كانت أول من ردّ بمرارة:

"وأما جه واحد اتكلم، شخط فيه وقاله: إنت دارس الكلام ده؟"

https://x.com/howaidazidan/status/2032992240943948169

الجملة تختصر 12 سنة. كل من خرج بحل أو رأي مختلف، كان الرد عليه سؤالاً واحداً: من وراءك؟ من موّلك؟ من درّبك؟ الشفافية التي يتحدث عنها السيسي لها شروط غير معلنة: أن تُوافق ما يريد سماعه.

يقول الدكتور أحمد زياد، الباحث في الشأن المصري بمعهد القاهرة للدراسات السياسية، إن التصريح يعكس أزمة حوكمة حقيقية لا مجرد غياب للتواصل. حين يغيب الفضاء العام للنقد ويُسجن المعارضون، لا تصل الحلول إلى صانع القرار. والمفارقة أن من أغلق هذا الفضاء يسأل الآن: أين الحلول؟

"الاقتراحات اتقدمت كتير.. وقبضوا على مقدميها"
لم يكن النشط سليم أقل وضوحاً حين كتب 3 نقاط جوهرية:

"1. مريدوك بيتكلموا كتير ويروجوا لإنجازات وهمية والناس مش مصدقاهم، ياريت تنزل بين الناس في الشارع وتتصرف. 2. قدراتك محدودة جدًا وذكاءك منخفض ولديك ضلالات عظمة وغير مؤهل لحكم مصر. 3. الاقتراحات اتقدمت كتير وقبضت على مقدميها"

https://x.com/EgyPunZ/status/2032988128349200444

ولاحقت دعاء التناقضَ من زاوية أخرى:

"مش المفروض إن معاك مستشارين وخبراء بيقدموا لك النصائح؟ وقبل أي مشروع مش بيبقى فيه دراسة جدوى؟ ولا آه، أنا نسيت، إنت مش مؤمن بدراسات الجدوى"

https://x.com/doaa_dobi/status/2033126310789239039

الإشارة إلى "دراسات الجدوى" ليست عابرة. تعود إلى تصريح مسجّل للسيسي نفسه حين قال علناً إنه لا يؤمن بدراسات الجدوى. في سياق هذا الاعتراف، يبدو السؤال عن "الحلول" نكتة سوداء.

يرى الدكتور محمد القصاص، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن خطاب الاستدراج بـ"مين عنده حل؟" هو أداة سياسية مألوفة في الأنظمة التسلطية. يُوحي بالانفتاح دون أن يُفضي إليه فعلياً. الهدف إعادة شرعية تآكلت، لا بناء حوار حقيقي.

"امشي".. الحل الأبسط الذي لا يريد سماعه
جاء الرد الأكثر تلخيصاً من الناشط تيجو:

"اللي عنده حل محبوس، واللي حيقدم حل حيحبس! وحلوها!!"

https://x.com/ayhm0077/status/2033224402456748450

ولم يكن محمد عبدالله أقل حدة حين استحضر الماضي:

"مستشارين رئيس الوزراء قدموا لك حل، ملف كامل لمواجهة زيادة تكاليف الطاقة، لكنك فضّلت زيادة الأسعار على الشعب. كما فرضت رأيك بتعويم الجنيه والكل قالك بلاش، وده كلامك بنفسك"

https://x.com/fnhOpJuBoXQdLjU/status/2033089740568666509

هشام اختصر المشهد كله في جملة واحدة:

"بعد ما خربوها بيسألنا على حل"

https://x.com/heshamalyeldin1/status/2033106647225127206

فيما كان أبو علي الأكثر جرأةً حين طرح المقترح الوحيد الجذري:

"هو مقترح واحد بس.. امشي وخد معاك المؤسسة اللي كابسة على نفس البلد دي من 1952"

https://x.com/Sona911/status/2033383324438401495

تقول الباحثة في شؤون حقوق الإنسان الدكتورة منى سيف، إن طلب "الحلول" في غياب الحريات السياسية هو طلب للإذعان لا للمشاركة. المجتمع المدني المصري لديه خبرات واسعة وأفكار حقيقية، لكنه يعمل تحت رقابة أمنية لا تُشجع على الإبداع ولا على الصراحة.

تغريدة واحدة للسيسي، وآلاف الردود التي قالت الشيء ذاته: الأزمة ليست في غياب الحلول، بل في غياب من يسمعها بجدية ودون قبضة.

والمفارقة المؤلمة أن أكثر التعليقات صدقاً وجرأةً على هذا المنشور قد تُوجد يوماً في ملفات التحقيق بدلاً من ملفات صنع القرار.