يكشف الارتفاع الجديد في أسعار الفسيخ والرنجة قبل عيد الفطر حجم الفشل الحكومي في ضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. فالمسألة لم تعد مجرد زيادة موسمية متوقعة مع العيد، بل صارت جزءًا من موجة أوسع تضرب الغذاء والنقل والطاقة معًا، بعد رفع أسعار الوقود في مارس بنسب تراوحت بين 14% و30%، وفي ظل تضخم سنوي في المدن بلغ 13.4% خلال فبراير، مع تسارع واضح في أسعار الطعام والمشروبات. لذلك فإن أي حديث رسمي عن رقابة أو تهدئة للسوق يصطدم مباشرة بما يراه المواطن على رفوف المحال وفي فاتورة الشراء اليومية.

 

وتظهر خطورة الأزمة لأن الأسماك المملحة ليست سلعة ثانوية في هذا التوقيت، بل جزء من عادات موسمية ترتبط بعيد الفطر في بيوت كثيرة. لكن الحكومة، التي دفعت تكاليف النقل والطاقة إلى أعلى، تركت السوق يمرر الزيادة إلى المستهلك بلا حماية حقيقية. ومع اقتراب العيد، لم تعد الزيادة قاصرة على الفسيخ والرنجة فقط، بل امتدت إلى الجمبري والسبيط وسمك موسى والبربوني والمرجان، بما يؤكد أن الغلاء لم يعد عارضًا محدودًا، بل صار سياسة معيشية يومية تُنقل كلفتها من قرارات الدولة إلى موائد الناس مباشرة.

 

قفزة الفسيخ

 

حذر محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك، من أن أسعار الفسيخ والرنجة مرشحة للارتفاع بنحو 30% قبل عيد الفطر، موضحًا أن جزءًا من الزيادة يرتبط بالإقبال الموسمي، بينما يرتبط الجزء الآخر بزيادة تكاليف النقل بعد تحريك أسعار الوقود. هذه الشهادة مهمة لأنها تصدر من داخل السوق نفسه، وتوضح أن الحكومة لا تواجه فقط طلبًا أعلى في موسم العيد، بل تواجه أيضًا أثرًا مباشرًا لقراراتها في البنزين والسولار على كلفة نقل وعرض وتوزيع السلع الغذائية.

 

وبحسب الأرقام الواردة في الملف، يتراوح سعر الفسيخ هذا الموسم بين 500 و600 جنيه للكيلو، مقابل 400 و450 جنيهًا في الموسم الماضي، بينما تتراوح الرنجة بين 200 و250 جنيهًا للكيلو، وتصل الرنجة الهولندي إلى 800 جنيه. هذه ليست قفزة بسيطة في سلعة كمالية، بل زيادة تضرب موسمًا استهلاكيًا واسعًا وتكشف كيف تحولت حتى الأطعمة المرتبطة بالمناسبات الشعبية إلى عبء على الأسر التي تحاول فقط الحفاظ على الحد الأدنى من العادات القديمة.

 

الأخطر أن عبد الحليم نفسه نصح المواطنين بشراء احتياجاتهم مبكرًا لتجنب مزيد من الزحام والزيادة في أيام العيد. وحين يصل السوق إلى لحظة يصبح فيها الحل المقترح للمستهلك هو “اشترِ الآن قبل أن يصبح السعر أعلى”، فإن هذا يعني ببساطة أن الدولة غائبة عن دورها في تنظيم الإيقاع السعري، وأن المستهلك تُرك وحده يطارد الأسعار قبل أن تسبقه. هذا ليس سلوك سوق مستقر، بل سلوك سوق يسبق فيه الخوف من الغلاء القدرة على الشراء.

 

من الوقود إلى السمك

 

لا يمكن فصل قفزة أسعار الأسماك عن القرارات الأخيرة في الطاقة. فمصر رفعت في مارس أسعار الوقود والغاز بنسب بين 14% و30%، شملت جميع أنواع البنزين والسولار، وهي زيادات انتقلت تلقائيًا إلى النقل والشحن والتوزيع، أي إلى كل ما يصل إلى المستهلك من غذاء وخدمة. وعندما يقول تجار الأسماك إن 10% من الزيادة الحالية يعود مباشرة إلى البنزين والنقل، فهم لا يطلقون تقديرًا نظريًا، بل يصفون مسارًا معروفًا: الدولة ترفع الوقود، ثم تنتقل الفاتورة إلى السوق، ثم تُترك الأسر لتتحمل النتيجة وحدها.

 

ويزيد هذا الضغط أن التضخم نفسه كان قد تسارع قبل ذروة العيد. فقد أظهرت بيانات فبراير أن معدل التضخم السنوي في المدن المصرية ارتفع إلى 13.4% مقابل 11.9% في يناير، بينما زادت أسعار مجموعة الطعام والمشروبات بنسبة 4.6% في فبراير مقابل 1.9% في يناير، ما يعكس تسارعًا واضحًا في الضغط على الغذاء قبل دخول أثر الوقود بالكامل. معنى ذلك أن الحكومة لم تكتف بترك الأسعار تتحرك صعودًا، بل أضافت فوقها عبئًا جديدًا من الطاقة في لحظة كان السوق فيها أصلًا تحت ضغط مرتفع.

 

ولم تتوقف الزيادة عند الفسيخ والرنجة. فالملف الوارد يشير إلى ارتفاع سعر الجمبري متوسط الحجم إلى 363.08 جنيه للكيلو، والجمبري الجامبو إلى 614.62 جنيه، والسبيط إلى 415.38 جنيه، وسمك موسى إلى 337.86 جنيه، كما ارتفع البربوني الممتاز إلى 240 جنيهًا، والبربوني المتوسط إلى 173 جنيهًا، والمرجان الممتاز إلى 197.86 جنيه، والمرجان المتوسط إلى 152.14 جنيه. وهذه الأرقام لا تعكس فقط مزاج موسم العيد، بل تكشف موجة غلاء تمتد على أنواع متعددة من البروتين البحري في وقت واحد.

 

وتتسق هذه القفزات مع اتجاهات السوق الأوسع. ففي 10 مارس بلغ متوسط سعر الجمبري الوسط 357.31 جنيه للكيلو، والجمبري الجامبو 581.54 جنيه، والمرجان الوسط 146.28 جنيه، والسبيط 352.83 جنيه، وهو ما يؤكد أن السوق كان يتحرك بالفعل في اتجاه صاعد قبل ذروة الشراء الموسمي. كما أظهرت تحديثات أخرى في أوائل مارس أن البربون كان يتحرك بين 160 و240 جنيهًا، والمرجان بين 100 و170 جنيهًا في بعض الأسواق، مع تفاوتات تصعد مع الجودة والحجم والمنطقة.

 

حكومة ترفع وتواسي

 

المشكلة هنا ليست في موسمية العيد وحدها، بل في بنية سياسة اقتصادية تدفع الأسعار إلى أعلى ثم تكتفي بالمشاهدة أو بالوعود. فالسلطة تعرف أن رفع الوقود يرفع كلفة النقل، وأن كلفة النقل ترفع الغذاء، وأن المواطن يدخل موسم العيد أصلًا وهو مثقل بتضخم سابق، ومع ذلك تمضي في المسار نفسه ثم تترك السوق يعيد توزيع الألم على المستهلك. ولهذا تبدو الزيادات الحالية على موائد العيد نتيجة مباشرة لقرار حكومي بقدر ما هي نتيجة لطبيعة الموسم.

 

ويرى مدحت نافع أن أي دعم نقدي أو إجراءات قصيرة الأجل تفقد أثرها سريعًا إذا استمرت الأسعار في الصعود، لأن القيمة الحقيقية لأي مساعدة تتآكل مع التضخم، بينما يبقى أصل الأزمة قائمًا في ضعف الاستثمار والإنتاج وتدهور البيئة الاقتصادية الأوسع. وهذا الكلام ينطبق على سوق الغذاء الآن بوضوح: فالمشكلة ليست في غياب “مسكنات” مؤقتة، بل في أن السلطة لا توقف أسباب الغلاء، بل تضيف إليها ثم تعود للحديث عن تخفيف الأعباء.

 

ومن زاوية أخرى، يؤكد هاني توفيق أن مواجهة التضخم لا تتم بالحلول النقدية وحدها، بل بزيادة الإنتاج وتحسين بيئة الاستثمار والتشغيل، لأن السوق إذا بقي محكومًا بارتفاع التكلفة وضعف الإنتاج فإن الأسعار ستواصل الصعود مهما قُدمت إجراءات تخفيفية محدودة. وبالترجمة المباشرة إلى موائد المصريين: لا يمكن لحكومة ترفع الوقود وتضغط على السوق ثم تتحدث عن التخفيف أن تقنع الناس بأنها تحارب الغلاء، لأنها في الواقع تعيد إنتاجه بأدواتها نفسها.

 

لذلك لا يبدو ارتفاع الفسيخ والرنجة هذا العام خبرًا موسميًا عابرًا، بل عنوانًا مكثفًا لما وصلت إليه المعيشة في مصر. فحتى الوجبة المرتبطة بالعيد لم تعد في متناول قطاعات واسعة إلا بتنازلات مؤلمة، بينما تستمر الدولة في تحميل المواطن كلفة قراراتها من دون أن تقدم مسارًا اقتصاديًا يوقف النزيف. وهكذا يدخل المصريون العيد بسوق أكثر قسوة، وأسعار أعلى، وطبقة وسطى تنكمش، وحكومة لا تفعل أكثر من إدارة الغلاء لا منعه.