لم يكن عبد المنعم سليم جبارة من الذين يحبون الأضواء. رجل هادئ الطباع، زاهد في المناصب، يجلس في الظل ويكتب ما يراه بلا مراوغة ولا مجاملة. ولد في قرية مغمورة بالشرقية، ومات بعد أن ترك بصمة في ذاكرة الصحافة الإسلامية المصرية لا تُمحى.
المولد والنشأة: من كفر جبارة إلى القاهرة
وُلد عبد المنعم سليم جبارة في 22 أكتوبر 1930، في قرية كفر جبارة بمركز فاقوس، محافظة الشرقية. نشأ في أسرة ميسورة أتاحت له استكمال تعليمه حتى تخرج من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1955 متخصصاً في الجغرافيا.
في الجامعة، لم يكن طالباً عادياً. كان قيادياً طلابياً بارزاً، لدرجة أن هيئة التحرير، التنظيم الحزبي الداعم لحركة يوليو 1952، رشحته لتولي مسؤوليتها في الجامعة، قبل أن تكتشف أنه أحد قيادات الإخوان.
السجن: العمر المسروق الذي صنع المحلل
في عام 1954، دبّر نظام يوليو حادث المنشية للقضاء على قيادات الإخوان. كان جبارة واحداً ممن ساعدوا في جمع تبرعات لأسر المعتقلين. لم يُمهله النظام طويلاً.
ألقي القبض عليه عام 1955. والحكم كان قاسياً: أشغال شاقة مؤبدة. قضى في السجن ما يقرب من 20 عاماً، لم يخرج منها إلا عام 1974 ضمن آخر دفعات الإخوان المُفرج عنهم.
لكن جبارة لم يضع تلك السنوات هدراً. حفظ القرآن الكريم كاملاً. غاص في علوم الإسلام. وقرأ في التاريخ السياسي وأسباب قيام الحضارات وانهيارها. خرج من السجن بعقل محلل سياسي بارع، وليس فقط ناجياً من محنة.
بعد الإفراج: القلم بدل القضبان
خرج جبارة عام 1974 والتحق بالعمل موجهاً في وزارة التربية والتعليم. لكنه لم يبتعد عن ميدانه الحقيقي. بعد عامين فقط من خروجه، شارك عام 1976 في إصدار مجلة "الدعوة" القاهرية مع قيادات بارزة من أمثال عمر التلمساني وصالح عشماوي وجابر رزق.
في مجلة الدعوة، نشر بين عامي 1977 و1978 سلسلة مقالات على حلقات بعنوان: "السلام المستحيل بين مصر وإسرائيل". كتبها في وقت كانت مفاوضات كامب ديفيد تسير بخطى متسارعة. وبعد ثلاثة عقود، وصف من عرفوه هذا العنوان بأنه لا يزال "عبقرياً".
المحطة الخليجية: التعليم في الإمارات والإعلام في البحرين
عام 1979، تعاقد جبارة مع وزارة التربية والتعليم في الإمارات العربية المتحدة. لم يكتفِ بالتدريس، بل ساهم في تطوير وإصدار مجلة "الإصلاح" في البحرين، التي كانت تصدر عن جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي. أضاف خلال سنواته الخليجية بُعداً خليجياً لتجربته الإعلامية.
العودة إلى مصر: رئاسة تحرير ومعارك صحفية
عاد جبارة إلى مصر أواخر عام 1988 بطلب من قيادة الإخوان، عقب وفاة صديقه ورفيق دربه جابر رزق، ليتولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام". استمر في المنصب حتى توقفت المجلة بنهاية 1990 تحت وطأة الضغوط السياسية.
لم تكن هذه هي المرة الأخيرة. عام 1993، تولى رئاسة تحرير جريدة "الأسرة العربية"، لكنها توقفت قسراً بعد 5 أسابيع فقط لأسباب سياسية. ثم أشرف على جريدة "آفاق عربية" في بداياتها الأولى بين عامي 1995 و1996. ثلاث منابر، وقفت كلها بسبب نظام لا يطيق الصوت المختلف.
الرجل خلف القلم: صمت لا ضعفًا
من عرف جبارة عن قرب يحفظ صورة ثابتة له. رجل كثير الصمت، هادئ الطباع، زاهد في الظهور. لم يكن يسعى إلى منصب، ولا يتسابق على لقب. كان يرصد، ثم يكتب ما يراه بلا رياء ولا مواربة.
تباسط مع البسطاء، وتواضع أمام أصحاب الشأن. لم يكن يتردد في إبداء رأيه الإسلامي بوضوح، بما فيه مواجهة الخصوم بموضوعية. هذه النادرة في الوسط الإعلامي جعلته مرجعاً لجيل كامل من الكتّاب الإسلاميين.
الرحيل
فاضت روح عبد المنعم سليم جبارة صباح الجمعة 27 من رمضان 1424هـ، الموافق لنوفمبر 2003، بعد أن أدّى صلاة الضحى. رحل كما عاش: في هدوء، بعيداً عن الضجيج.
خلّف وراءه مساراً صحفياً وتحليلياً ممتداً عبر مجلة الدعوة، ومجلة الإصلاح في البحرين، ولواء الإسلام، والأسرة العربية، وآفاق عربية. وخلّف مقالات لا يزال أثرها حياً في ذاكرة من قرأها.

