يكشف التناقض بين خطاب قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي وتحركات حكومته حجم الارتباك في إدارة ملف الديون. ففي 13 مارس قال السيسي إن الاستمرار في الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات "ليس من المنطقي ولا من العدل"، وإن هذا النهج يقود إلى دائرة مفرغة من تراكم الديون.
لكن هذا الكلام تزامن مع مساعٍ رسمية لتسريع الحصول على 4 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، بما يضع السلطة أمام اتهام مباشر بخداع المصريين بخطاب تقشفي لا يعكس ما يجري فعلاً في كواليس التمويل الخارجي.
تظهر الوقائع أن المشكلة لم تعد في وجود دين فقط، بل في خطاب سياسي يقول شيئاً ويفعل نقيضه.
فمصر حصلت بالفعل على مليار يورو من الحزمة الأوروبية في ديسمبر 2024، وتنتظر صرف 4 مليارات يورو جديدة ضمن شريحة ثانية، بينما واصل وزير الخارجية بدر عبد العاطي اتصالاته الأوروبية خلال مارس لتسريع الإجراءات، في وقت يطلب فيه السيسي من المواطنين تقبل إجراءات قاسية بدعوى تجنب مزيد من الاقتراض.
خطاب ضد القروض وسلوك يبحث عنها
بدأت الأزمة من العبارة نفسها.
السيسي قال أمام إفطار الأسرة المصرية إن استمرار الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات لم يعد منطقياً ولا عادلاً، وربط ذلك بضرورة اتخاذ إجراءات استثنائية حاسمة حتى لا تدخل البلاد في دائرة مفرغة من تراكم الديون.
هذا التصريح لم يأت في لحظة ابتعاد عن الاقتراض، بل في لحظة سعي رسمي إلى تمويلات جديدة، وهو ما حوله من خطاب تحذير إلى خطاب متناقض يفتقد المصداقية السياسية والاقتصادية.
الوقائع المعلنة بعد ذلك مباشرة زادت التناقض وضوحاً.
فوزير الخارجية بدر عبد العاطي أعلن أن لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي أقرت الشريحة الثانية من حزمة التمويل الأوروبية لمصر بقيمة 4 مليارات يورو، وأن القاهرة تتوقع التصويت النهائي عليها خلال أسابيع.
كما أظهرت اتصالاته مع كايا كالاس أن الحكومة ما زالت تتحرك في مسار طلب التمويل الأوروبي، بينما تناولت اتصالات أخرى مع الجانب الفرنسي الملفات الاقتصادية والتداعيات الإقليمية المتسارعة.
هذا التزامن لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل. فإما أن خطاب السيسي عن وقف الاقتراض غير جاد، أو أن الحكومة نفسها لا تعمل وفق ما يعلنه رئيسها الفعلي. وفي الحالتين، يدفع المواطن ثمن هذا الازدواج: خطاب يطلب منه الصبر وتحمل الغلاء، وسياسة تستمر في تدوير الأزمة عبر قروض جديدة بدل مواجهة جذور الاختلال في هيكل الإنفاق وتوليد النقد الأجنبي.
قرض جديد داخل حزمة أوسع
الشريحة الأوروبية المرتقبة ليست رقماً منفصلاً، بل جزء من حزمة أوسع أعلنها الاتحاد الأوروبي في مارس 2024 بقيمة 7.4 مليارات يورو لدعم مصر حتى 2027. ووفق البيانات المنشورة، تتضمن هذه الحزمة 5 مليارات يورو في صورة مساعدات مالية كلية، صُرف منها مليار يورو في نهاية ديسمبر 2024، بينما يُنتظر صرف 4 مليارات يورو على مراحل لاحقة. هذا يعني أن الحديث عن تقليل الاعتماد على الديون يأتي في وقت تظل فيه السياسة الرسمية قائمة على طلب شرائح تمويلية إضافية من الخارج.
ولا يمكن فصل ذلك عن الضغوط الواقعة على الموازنة. فالدولة نفسها تبرر سعيها إلى التمويل الخارجي بتداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة والنقل والشحن، وهي نفس التداعيات التي استخدمتها لتبرير رفع أسعار المنتجات البترولية داخل مصر خلال مارس. النتيجة أن المواطن يسمع خطاباً عن ضرورة وقف الاقتراض، ثم يجد نفسه يدفع تكلفة قرارات تقشفية في الداخل بينما تستمر الحكومة في البحث عن أموال جديدة من الخارج لسد الفجوات نفسها.
وتكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حجم التبادل التجاري بين مصر والاتحاد الأوروبي بلغ 21.4 مليار دولار من يناير إلى أغسطس 2025. لكن هذا الرقم، رغم أهميته، لم يحمِ القاهرة من العودة إلى طلب تمويلات أوروبية جديدة، ما يعكس أن أزمة العملة الصعبة لا تُعالج عبر توسيع التجارة وحده، بل تحتاج إلى مراجعة أعمق لأولويات الإنفاق، وهي المراجعة التي لم تظهر حتى الآن في الخطاب الرسمي ولا في السياسات المنفذة.
هنا يبرز رأي فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، الذي قال إن القروض الخارجية يمكن توجيهها إلى مشروعات البنية الأساسية، لكن يجب أن تجد الدولة عائداً اقتصادياً واضحاً منها. هذا الكلام يضع معياراً بسيطاً للحكم على أي اقتراض: هل يولد إيراداً دولاريًا وإنتاجاً مستداماً أم يضيف عبئاً جديداً على السداد فقط؟ وعندما تضطر الدولة بعد سنوات من التوسع في الاقتراض إلى طلب شرائح تمويل جديدة لتغطية الضغوط نفسها، فإن السؤال عن العائد يصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
من يدفع فاتورة الديون؟
الإجابة الأقرب إلى الواقع أن المواطن هو من يدفع الفاتورة، سواء عبر الأسعار أو الضرائب أو تآكل الإنفاق الاجتماعي. هاني توفيق حذر من "فقاعة الديون" في مصر، وقال إن المشكلة تتفاقم حين تُستخدم القروض في مشروعات غير منتجة، لأن ذلك يدفع الدولة إلى الاقتراض مرة أخرى ويغذي الحلقة المفرغة بدلاً من كسرها. وفي تصريحات أخرى أوضح أن خدمة الدين الداخلي وصلت إلى مستويات خطرة، وأن الدولة قد تلجأ إلى إصدار سندات جديدة أو إعادة جدولة بعض الالتزامات، ما يعني أن منطق الترحيل لا يزال قائماً.
هذا التحذير ينسجم مع ما يقوله مدحت نافع عن أن الدين في مصر "مشكلة مركبة" مرتبطة بعجز متراكم في الموارد العامة، وأن جزءاً كبيراً من الإنفاق العام بات مرتبطاً بخدمة الدين، بما يفرض قيوداً على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. وأضاف أيضاً أن إطالة أمد الدين وإعادة هيكلته ووضعه على مسار نزولي مسألة ضرورية، لأن خدمة الدين تلتهم جزءاً كبيراً من مصروفات الموازنة. معنى ذلك أن كل قرض جديد لا يُقاس فقط بقيمته الاسمية، بل بأثره اللاحق على قدرة الدولة على تمويل الصحة والتعليم والدعم والنقل العام.
وتدعم دراسات منشورة هذا الاتجاه، إذ خلصت ورقة أكاديمية عن القروض الخارجية في مصر إلى أن أعباء خدمة الديون تأخذ الجزء الأكبر من موارد الدولة، بما يزاحم الإنفاق على التعليم والصحة ويعمق الحلقة المفرغة من المديونية. لذلك لا يبدو السؤال الحقيقي هو كيف تحصل الحكومة على 4 مليارات يورو جديدة، بل لماذا ما زالت تحتاج إلى المزيد بعد كل ما اقترضته بالفعل، ولماذا يقال للمصريين إن الاقتراض خطر في الوقت الذي تُدار فيه الدولة عملياً على أساس طلب تمويل خارجي جديد كلما ضاق هامش الحركة.
المشهد في النهاية لا يعكس مجرد تناقض لفظي، بل أزمة ثقة كاملة. السيسي قال إن الاقتراض بالعملة الصعبة لم يعد عادلاً، لكن حكومته واصلت السعي إلى قروض جديدة في التوقيت نفسه. وبين الخطاب والواقع، لا يبقى أمام المصريين إلا سؤال واحد: إذا كانت السلطة تعترف الآن بخطورة المسار، فلماذا تواصل السير فيه، ولماذا يُطلب من الناس وحدهم تحمل كلفة ديون لم يقرروا وجهتها ولا أولويات إنفاقها؟

