في فضيحة اقتصادية جديدة تضاف إلى سجل الإخفاقات المتراكمة، كشفت أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن قفزة مرعبة في فاتورة استيراد القمح. الزيادة بلغت نسبتها 50% خلال شهر ديسمبر الماضي وحده.

هذه المفارقة الرقمية الصادمة تأتي في وقت تروج فيه الأبواق الحكومية ليل نهار عن إنجازات وهمية في ملف الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية.

الحقيقة المرة أن حكومة الانقلاب فشلت فشلًا ذريعًا في تأمين رغيف الخبز للمصريين من إنتاج أراضيهم، ولجأت للحل الأسهل وهو الاستيراد العشوائي الذي يستنزف ما تبقى من العملة الصعبة، ويترك الدولة مكشوفة أمام تقلبات الأسواق العالمية المشتعلة.

 

هذا التخبط الحكومي ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة طبيعية لسياسات تدمير الزراعة الوطنية لصالح مافيا الاستيراد.

ورغم التصريحات الرنانة عن "الجمهورية الجديدة"، يجد المواطن المصري نفسه مهددًا في أبسط حقوقه، وهو رغيف العيش.

النظام الذي أنفق المليارات على مشاريع خرسانية لا تسمن ولا تغني من جوع، يقف اليوم عاجزًا أمام توفير القمح، مفضلًا إغراق البلاد في ديون جديدة لتغطية فاتورة استيراد كان يمكن تجنبها لو وُجدت إرادة سياسية حقيقية لدعم الفلاح المصري.

 

أمن غذائي كاذب ومخزون مرتجف

 

تزامن هذا الارتفاع الضخم والمريب في واردات القمح مع قرارات وزارة التموين الأخيرة المتعلقة بضبط منظومة الخبز، والتي لم تكن في حقيقتها سوى تمهيد لتقليص الدعم.

التبرير الحكومي الجاهز دائماً هو "تعزيز المخزون الاستراتيجي" تحسباً لاضطرابات سلاسل الإمداد العالمية بسبب الصراعات الإقليمية.

لكن هذا العذر الواهي يسقط أمام حقيقة أن الحكومة تركت الفلاح المصري فريسة لارتفاع أسعار الأسمدة وتكاليف الإنتاج، لتتجه بعد ذلك لدعم المزارع الأجنبي بالدولار الشحيح.

 

الخبير الاقتصادي الدكتور صلاح مكادي، رئيس قسم بحوث القمح الأسبق بوزارة الزراعة، يضع يده على الجرح مباشرة.

مكادي يؤكد أن مصر تمتلك نحو 13 صنفًا من القمح عالي الإنتاجية والمقاوم للأمراض، والتي تُزرع في جميع المحافظات وتصلح تمامًا لأغراض الخبز والمكرونة. هذه التصريحات تنسف ادعاءات الحكومة بصعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي.

الأزمة ليست في نوعية التقاوي ولا في قدرة الأرض، بل في سياسات تسعير مجحفة ترفض إعلان سعر استرشادي عادل يشجع الفلاحين على زراعة هذا المحصول الاستراتيجي، مفضلة رمي مليارات الدولارات في الخارج.

 

القمح يبتلع الدولار ويفاقم العجز

 

أظهر تقرير الإحصاء تحولًا إجباريًا وقاسيًا في أولويات الإنفاق الدولاري للحكومة المأزومة. الزيادة الكارثية في قيمة واردات القمح كانت السبب الرئيسي والمباشر في بلوغ العجز التجاري لمصر رقمًا مفزعًا يقدر بنحو 4.9 مليار دولار في شهر واحد فقط.

في المقابل، انكمشت واردات سلع أخرى مثل "سيارات الركوب" بنسبة 26.8%، في محاولة يائسة لوقف النزيف الدولاري. هذا الانكماش لا يعكس ترشيدًا حقيقيًا للإنفاق، بل يعكس حالة الاختناق التام التي يعيشها الاقتصاد، حيث بات تأمين لقمة العيش يستنفد كل قطرة دولار متاحة.

 

الأرقام تؤكد بوضوح أن بوصلة الاستيراد اتجهت مجبرة نحو تأمين الحدود الدنيا من "الأمن الغذائي" خوفًا من انفجار شعبي وشيك.

متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين، كان قد صرح في وقت سابق عن تراجع استيراد القمح، مروجًا لاستراتيجية تقليل الاعتماد على الاستيراد.

لكن الأرقام الحديثة تكذب هذه الادعاءات وتثبت أن أي تراجع مؤقت كان مجرد تلاعب بالأرقام، وأن العجز الهيكلي لا يزال قائمًا ويتفاقم. الاعتماد على الاستيراد لسد عجز متعمد في الإنتاج المحلي هو سياسة انتحارية تقود البلاد نحو الهاوية المالية.

استنزاف مستمر وغياب للرؤية

 

هذا العجز التجاري الفاضح الذي تقوده فاتورة القمح يثبت أن محاولات الدولة لتعزيز الإنتاج المحلي هي مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.

الحقيقة الماثلة على الأرض أن الاستيراد هو السيد، وأن الأمن الغذائي لملايين المصريين مرهون برضا الموردين الأجانب وتقلبات أسعار الصرف.

الدكتور خالد جاد، وكيل معهد المحاصيل الحقلية، تحدث عن التوسع في الأصناف عالية الإنتاجية وزيادة المساحات المنزرعة. ورغم حديثه عن وصول إنتاجية الفدان لأكثر من 19.5 أردب، إلا أن هذه الإنجازات النظرية لم تترجم إلى خفض حقيقي ومستدام في فاتورة الاستيراد كما تثبت أرقام ديسمبر.

 

الحكومة التي تتغنى بالقدرة على تخطي الأزمات، تقف اليوم عارية أمام أرقام الإحصاء الرسمي.

فاتورة استيراد القمح التي قفزت بـ 50% هي وثيقة إدانة رسمية لسياسات زراعية فاشلة وتخبط اقتصادي مدمر.

الحلول الترقيعية لم تعد تجدي، والاعتماد على الديون لسداد ثمن رغيف الخبز هو رهن لمستقبل الأجيال القادمة.

طالما استمر هذا النظام في تجاهل الفلاح المصري وإهدار موارده، ستظل فاتورة القمح سيفًا مسلطًا على رقبة الاقتصاد، وسيظل رغيف الخبز رمزًا لتبعية كاملة وعجز لا يمكن تجميله.