تكشف أوضاع النساء العاملات في مصر أن ما تردده الحكومة عن التمكين لا يصمد أمام الوقائع. الخطاب الرسمي يتحدث عن زيادة مشاركة النساء في سوق العمل، وعن حماية قانونية قائمة، وعن مسار إصلاحي مستمر. لكن ما يظهر على الأرض مختلف. النساء يواجهن انتهاكات متكررة في القطاعين الرسمي وغير الرسمي، من الأجور والتمييز إلى التحرش والعنف وحقوق الأمومة المهدرة. وبين النصوص والتطبيق، تبدو الدولة غائبة حين يتعلق الأمر بالرقابة والمساءلة وإنفاذ القانون.
لا يتعلق الأمر فقط ببيئة عمل غير عادلة، بل ببنية كاملة تدفع النساء إلى موقع أضعف داخل علاقات عمل غير متكافئة. المرأة مطالبة بالعمل. ومطالبة في الوقت نفسه بتحمل عبء الرعاية داخل المنزل. وحين تطالب بحقها في الأجر العادل أو الإجازة أو الحماية من التحرش، تجد نفسها في مواجهة صاحب عمل أقوى، ومؤسسة رقابية أضعف، ودولة تتحدث أكثر مما تنفذ. هذا المعنى يقترب من التقدير الذي قدمته منى عزت، مديرة برنامج المرأة والعمل في مؤسسة المرأة الجديدة، حين ربطت بين غياب المساواة والإفقار وبين حرمان النساء من الحماية الاجتماعية والوصول إلى الخدمات، مؤكدة أن الفجوات البنيوية لا تُعالج بالشعارات بل بتغيير بيئة الحماية والمؤسسات.
تتأكد هذه الصورة أكثر مع ما تقوله الدكتورة أمل فرج، مديرة البرامج بدار الخدمات النقابية والعمالية، التي ترى أن ما يجري ليس شكاوى متناثرة ولا تجاوزات عارضة. بل نمط ممنهج من الانتهاكات ينتجه اختلال ميزان القوة داخل سوق العمل، حيث تبقى النساء الطرف الأضعف في مواجهة أصحاب العمل، من دون حماية فعالة من الدولة. هذا التوصيف لا يهاجم الواقع من الخارج. بل يضع اليد على أصل المشكلة: القوانين موجودة، لكن الدولة لا تفرضها بالجدية نفسها التي تتحدث بها عنها.
تمكين في البيانات.. وانتهاكات في مواقع العمل
تقول الحكومة، في كل مناسبة تقريبًا، إن تمكين المرأة جزء من سياساتها العامة. لكن الوقائع التي رصدها التقرير السنوي لدار الخدمات النقابية والعمالية تكشف أن التمكين الجاري ترويجه هو تمكين على الورق أكثر منه حماية فعلية داخل مواقع العمل. التقرير المعنون «نساء في سوق العمل 2025: واقع هش وانتهاكات مستمرة» لم يكتف بوصف الحالة، بل أكد أن الرصد الميداني وتوثيق الشهادات وتحليل الشكاوى كلها تشير إلى ضعف تنفيذ القوانين وغياب المساءلة والتفتيش الفعال. أي أن الدولة تعرف المشكلة، وتملك النصوص، لكنها لا تملك الإرادة أو الكفاءة الكافية لفرضها.
أمل فرج تشرح هذه الفجوة بوضوح. الحقوق المتعلقة بالمساواة، والأمومة، والحماية من الفصل التعسفي، وبيئة العمل الآمنة، موجودة في النصوص. لكن هذه النصوص تفقد قيمتها حين تغيب آليات التنفيذ الحقيقية. ضعف التفتيش، وغياب الجزاءات الرادعة، وتحول الشكوى إلى مخاطرة على العاملة نفسها، كلها عوامل تجعل القانون شكليًا أكثر منه ملزمًا. والنتيجة أن النساء لا يواجهن فقط ظروف عمل مجحفة، بل يواجهن أيضًا صورًا نمطية تحملهن وحدهن عبء التوفيق بين العمل والرعاية، في ظل غياب سياسات عامة داعمة.
وتتفق وفاء العشري، الباحثة ومنسقة برنامج المناخ بدار الخدمات النقابية والعمالية، مع هذا التشخيص حين تصف واقع النساء العاملات بأنه «هش ومقلق». العشري تلفت النظر إلى أن القطاعات الأكثر هشاشة، مثل الزراعة والعمل غير الرسمي والعمل المنزلي، تشهد مضاعفة في حجم الانتهاكات بسبب غياب التنظيم وضعف الرقابة. هذا يعني أن النساء الأكثر فقرًا والأبعد عن الحماية المؤسسية هن الأكثر تعرضًا للاستغلال. وفي هذه النقطة تحديدًا، لا يعود الحديث عن تقصير إداري فقط، بل عن قبول عملي باستمرار سوق عمل يعيد إنتاج التمييز بدلًا من تفكيكه.
التقرير نفسه يوضح أن القياس الحقيقي للتمكين لا يكون بعدد النساء الموجودات في سوق العمل. بل بطبيعة هذه المشاركة، وظروفها، وما إذا كانت الدولة قادرة على حمايتها. وهذا ما يغيب عن الخطاب الحكومي. فالسلطة تتحدث عن المشاركة الاقتصادية، بينما يستمر حرمان النساء من الأجر العادل، ومن مواقع اتخاذ القرار، ومن حقوق الأمومة، ومن الحماية من التحرش والعنف. بهذا المعنى، يصبح التمكين الرسمي واجهة دعائية أكثر منه تحولًا مؤسسيًا يغير قواعد اللعبة داخل سوق العمل.
أرقام الانتهاكات تفضح ضعف الرقابة وتعرّي دور وزارة العمل
ما ينسف أي محاولة لتخفيف الصورة هو أن التقرير لم يكتف بالوصف العام، بل قدم أرقامًا مباشرة. فقد وثق 107 حالات انتهاك للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، شملت عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، وخصومات تعسفية، وحرمانًا من الإجازات القانونية، وعدم تسجيل العاملات في التأمينات الاجتماعية، وتشغيل نساء من دون عقود عمل. هذه ليست ثغرات صغيرة. هذه صورة مكتملة لسوق يسمح بالالتفاف على القانون في قطاعات كثيفة العمالة النسائية، فيما تغيب المساءلة أو تتراجع إلى الحد الأدنى.
ووُثقت كذلك 56 حالة انتهاك لحقوق الأمومة والحقوق الإنجابية. بعض النساء تعرضن لضغط مباشر للعودة إلى العمل قبل انتهاء إجازات رعاية الطفل. أخريات تعرضن للتهديد بالفصل أو الخصم حين طالبن بحقوقهن. وبعض أماكن العمل لم توفر حضانات أصلًا، أو وفرتها بمعايير غير مطابقة. وحتى ساعة الرضاعة، التي ينص عليها القانون، تصبح في كثير من الحالات حقًا معطلًا بسبب بُعد مواقع العمل عن أماكن وجود الأطفال. هذه ليست مجرد مخالفات إدارية. هذا عداء صريح لفكرة أن المرأة العاملة لها حق في الأمومة من دون عقاب مهني.
أما العنف القائم على النوع الاجتماعي، فقد وثق التقرير 92 حالة تحرش وعنف داخل أماكن العمل. تنوعت الحالات بين التحرش اللفظي والجسدي، والابتزاز للحفاظ على الوظيفة، والإساءة اللفظية، وإقصاء النساء من المناصب القيادية رغم تساوي الكفاءة، وعدم المساواة في الأجور، واعتبار الزواج أو الحمل عائقًا أمام التوظيف. ووصل الأمر، بحسب الشهادات الواردة، إلى استبعاد معلمات في وزارة التعليم بسبب زيادة الوزن. هذه الوقائع لا تكشف فقط خلل مؤسسات العمل، بل تكشف أيضًا فشل الدولة في فرض آليات إبلاغ آمنة وسياسات واضحة لمناهضة العنف داخل المؤسسات.
وسجل التقرير أيضًا 87 حالة من الإجراءات التعسفية، بينها النقل القسري، وتخفيض الأجور، وتحميل مهام إضافية من دون مقابل، والحرمان من الترقية. هذه الإجراءات تعكس استغلالًا مباشرًا لثغرات تطبيق القانون، وتوضح أن صاحب العمل ما زال يتحرك في مساحات واسعة من الإفلات، مستفيدًا من ضعف التفتيش الحكومي، ومن خوف العاملات من الشكوى، ومن كلفة المواجهة القانونية. وحين يصل الأمر إلى هذا الحد، يصبح السؤال مشروعًا: أين وزارة العمل من هذا كله؟
وفاء العشري تذهب مباشرة إلى هذه النقطة. فهي تربط استمرار الانتهاكات بضعف منظومة التفتيش التابعة لوزارة العمل، وعجزها عن تغطية مواقع العمل بانتظام، إلى جانب هشاشة نظم الحماية في القطاع غير الرسمي، واستمرار ثقافة مؤسسية تتسامح مع التمييز ضد النساء. في القطاع الزراعي مثلًا، تتكرر مخاطر النقل غير الآمن، وضعف اشتراطات السلامة والصحة المهنية، وغياب الشفافية بشأن التعويضات والمساءلة القانونية عند وقوع الحوادث. أي أن الدولة لا تفشل فقط في الحماية داخل المصنع أو المكتب، بل تفشل حتى في تأمين الطريق إلى العمل نفسه.
وفي القطاع غير الرسمي، تبدو الصورة أكثر قسوة. غالبية النساء يعملن من دون عقود، ومن دون تأمينات، ومن دون مظلة حماية قانونية فعالة. ساعات العمل تتجاوز الحدود المنصوص عليها في قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، والإجازات القانونية يجري الالتفاف عليها، والعنف والتحرش يمران غالبًا بلا سبل تظلم فعالة. هنا لا تعود المشكلة نقصًا في النصوص فقط. فالقانون الجديد موجود بالفعل، وقد نُشر رسميًا في 3 مايو 2025، لكن وجوده لم يمنع استمرار القطاعات الأشد هشاشة خارج الحماية الفعلية. وهذا بالضبط ما يجعل الحديث الحكومي عن الإصلاح التشريعي غير كافٍ، بل مضللًا إذا قُدم باعتباره إنجازًا قائمًا بذاته.
قوانين بلا إنفاذ.. وإصلاح مؤجل تدفع النساء ثمنه يوميًا
تشير أمل فرج إلى أن المنظومة القانونية تضم بالفعل تشريعات رئيسية يفترض أن توفر الحماية، منها قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وقانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019، وقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016. لكن فرج تحسم المسألة من دون مواربة: النصوص تفقد معناها حين لا تُدعم بآليات تفتيش ومساءلة حقيقية. هذا يعني أن الأزمة لم تعد في غياب القاعدة القانونية، بل في عجز الدولة عن تحويلها إلى سياسة تنفيذية ملزمة.
وفي ما يتعلق بالعنف والتحرش، تبدو الفجوة أكثر وضوحًا. إدراج مادة خاصة بهذه الجرائم في قانون العمل خطوة لا تكفي وحدها. فغياب إجراءات آمنة وسرية للإبلاغ، وغياب ضمانات تحمي المبلغات من الانتقام أو الفصل، يدفع كثيرات إلى الصمت. وهنا تتقاطع ملاحظة فرج مع رؤية منى عزت التي تربط ضعف الحماية باللامساواة البنيوية وبضعف البيئة المؤسسية والخدمات العامة. فالمرأة لا تحتاج نصًا إضافيًا فقط، بل تحتاج مسارًا يضمن لها أن الشكوى لن تتحول إلى تهديد مباشر لمصدر رزقها.
هذا كله يفسر لماذا تبدو الدعوات إلى مواءمة التشريعات مع المعايير الدولية مطلبًا عاجلًا لا رفاهية حقوقية. ومن بين هذه المطالب التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن العنف والتحرش في عالم العمل، وهي اتفاقية ما زالت منظمات عمالية وحقوقية تضغط من أجل التصديق عليها في مصر. وجود هذه الاتفاقية لا يحل المشكلة وحده، لكنه يرفع سقف الإلزام ويضع الدولة أمام معايير أكثر وضوحًا في الحماية والمساءلة.
الخلاصة التي يفرضها التقرير ليست معقدة. الانتهاكات ليست طارئة. والتمييز ليس استثناء. والخلل لا يعود إلى أصحاب أعمال منفلتين فقط، بل إلى حكومة تملك النصوص وتفشل في فرضها، وتتبنى خطابًا عن التمكين لا ينعكس في التفتيش ولا في الجزاءات ولا في حماية النساء داخل أكثر القطاعات هشاشة. لذلك لا يكفي الحديث عن تقدم تشريعي أو عن مشاركة اقتصادية متزايدة. ما دام القانون لا يُنفذ بصرامة، وما دامت وزارة العمل غائبة أو عاجزة، فإن النساء العاملات سيدفعن يوميًا ثمن هذا الفراغ الرسمي بين الكلام والفعل.

