تجدت احتجاجات عاملات شركة وبريات سمنود في الغربية بعدما نظّمَت نحو 250 عاملة من قسم الملابس وقفة داخل مقر الشركة اعتراضًا على إدارة وُصفت بالتعسف، وعلى رواتب تتأخر وتُجزّأ طوال الشهر، وعلى أزمة تأمين صحي تُهدد بحرمان مئات العمال من العلاج. المشهد لم يكن خلافًا إداريًا عابرًا، بل انفجارًا في مكان قديم يفترض أن الدولة تعرفه جيدًا، ثم تتركه ينزف.
الوقفة استمرت ساعات وسط توتر متصاعد داخل الشركة، إحدى أقدم شركات الغزل والنسيج في مصر، وتوظف مئات العمال والعاملات. العاملات تحدّثن عن تراكم مشاكل مالية وإدارية تمس يومهن. لا خطابات كبيرة. لا شعارات زائدة. مطالب مباشرة ترتبط بالمعيشة والاستقرار، وبحد أدنى من احترام العمل الذي تُراكم منه الدولة أرقامًا عن “الإنتاج”.
أجور على دفعات.. وإدارة تبيع أصولًا والعمال ينتظرون الفُتات
شهادات العاملات قالت إن طريقة صرف الرواتب تغيّرت في الشهور الأخيرة. الأجر الشهري قُسّم إلى أجزاء تُصرف على فترات متباعدة. هذا وحده كافٍ لتحويل حياة أسرة كاملة إلى حالة طوارئ دائمة. الإيجار لا ينتظر. المدارس لا تُقسط. الطعام لا يأتي بوعود نهاية الشهر. العاملات وجدن أنفسهن يدفعن ثمن قرار لا يخصهن.
إحدى المشاركات أكدت أن الشركة ليست “مفلسة” كما يُلمّح البعض، وأنها باعت قطع أراضٍ ووفّرت سيولة تسمح بصرف الرواتب دفعة واحدة. هنا جوهر الأزمة: إدارة تملك خيارًا، ثم تختار الضغط على الأضعف. كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، كان قد حمّل الحكومة مسؤولية جذور أزمة وبريات سمنود وربطها بتعثر تطبيق قرارات الأجور وغياب الحلول الجادة.
التأخير لم يقف عند التقسيط. شهادات أخرى تحدثت عن تحويل الجزء الأخير من الرواتب إلى حسابات بنكية قديمة سبق إيقاف التعامل بها. العاملات اعتبرن ذلك تعقيدًا متعمدًا للحصول على المستحقات. بعضهن اضطر إلى مراجعة البنوك وتعديل البيانات. وقت ضائع. مصاريف انتقال. إذلال بيروقراطي. وفي النهاية راتب هو حق أصيل، لا “مِنّة” من إدارة ولا مكافأة حسن سلوك.
ومن قلب نفس الوقفة، برزت أزمة التأمين الصحي كقنبلة اجتماعية. عاملات حذرن من تهديد بحرمان مئات العمال من العلاج. هذا ليس تفصيلًا هامشيًا. مصانع الملابس والغزل عمل بدني قاسٍ. إصابات. إرهاق. أمراض مزمنة. حين ينهار التأمين، يصبح المصنع مكانًا لإنتاج العجز لا الإنتاج. وحين تصمت الدولة، فهي تترك العامل يدفع ثمن المرض من راتب “مقسّم” أصلًا.
بعد رمضان.. تهديد بساعات أطول وقرار وزاري يفتح الباب للضغط
على جانب آخر، نقلت العاملات مخاوف من تهديد إداري بتغيير نظام ساعات العمل بعد رمضان. ترددت معلومات داخل المصنع عن نية رفع ساعات العمل اليومية إلى 8 ساعات دون احتساب راحة كافية. القلق مفهوم. خطوط الإنتاج تحتاج تركيزًا متواصلًا. الوقوف طويل. الجهد مستمر. ومع أي تمديد بلا راحة حقيقية تتحول “الزيادة” إلى عقوبة جسدية، لا تنظيم عمل.
قيادات عمالية طالبت بمراجعة القرار الوزاري رقم 289 لسنة 2025 الصادر عن وزارة العمل لتنظيم وتحديد ساعات العمل في المنشآت الصناعية، باعتباره يثير اعتراضات واسعة. القرار أعلنته وزارة العمل كجزء من استكمال القرارات التنفيذية لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025.
المشكلة ليست في عنوان “التنظيم”. المشكلة في كيفية استخدامه داخل مصانع تعاني أصلًا من اختلال ميزان القوة بين الإدارة والعمال، وغياب حماية فعالة على الأرض.
قانون العمل الجديد ينص على حد أقصى 8 ساعات يوميًا و48 ساعة أسبوعيًا، مع عدم احتساب فترات الراحة ضمن ساعات التشغيل الفعلية.
لكن القيادات العمالية استندت أيضًا إلى أن هناك منشآت صناعية يقصرها قانون آخر على 42 ساعة أسبوعيًا، وهو القانون رقم 133 لسنة 1961.
في شركات مثل وبريات سمنود، أي “مرونة” بلا ضمانات تتحول سريعًا إلى أداة ضغط، لأن العاملات أصلاً يقاتلن للحصول على راتب كامل وفي موعده.
هنا يبرز رأي المحامي العمالي هيثم محمدين، الذي شدّد في أكثر من مناسبة على أن الإضراب حق ينظمه الدستور والقانون، وأن التعامل الأمني أو العقابي مع الاحتجاجات يُفاقم الأزمة بدل حلها.
الخلاصة العملية لكلامه: حين تُغلق الدولة باب التفاوض الحقيقي، تفتح باب الانفجار، ثم تلوم العمال لأنهم “عطّلوا الإنتاج”.
دولة تراقب الواجهة وتترك الجذر.. من تأخير الأجر إلى كسر الحق
ما جرى في وبريات سمنود يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: أين الحكومة حين تُدار الرواتب كأنها “سُلفة”؟ وأين وزارة العمل حين تُستَخدم الأدوات التنفيذية لتمديد ساعات العمل بلا حماية لراحة العامل؟ وأين الدولة حين يتهدد التأمين الصحي مئات العمال؟ الرقابة التي تظهر فجأة عادة لا تأتي لحماية الحق، بل لضبط الصوت.
خالد علي، المحامي المعروف بقضايا العمال وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، قدّم عبر مسيرته تصورًا ثابتًا: الحقوق العمالية ليست بندًا دعائيًا ولا فقرة قانونية تُعلّق على الحائط، بل ضمانات تنفيذية وآليات شكوى ومحاسبة عادلة.
في ضوء هذا المنطق، تصبح أزمة وبريات سمنود نموذجًا لاقتصاد يُدار بالضغط من أعلى: إدارة تُقسط الأجر، وسياسة عامة تتسامح مع التلاعب، ثم تُطالب العمال بالصمت باسم “استمرار الإنتاج”.
المفارقة القاسية أن العاملات حاولن أولًا حل المشكلة داخل الإدارة. لم يجدن استجابة واضحة. فانتقلن للاحتجاج داخل المصنع. هذه ليست “مغامرة”. هذا آخر درجات السلم. وعندما تصل 250 عاملة إلى هذه النقطة، فذلك يعني أن الدولة تركت كل درجات السلم تتكسر واحدة تلو الأخرى. الحل ليس وعظًا عن الانضباط، ولا بيانات عن “الاستثمار”.
القضية الآن ليست فقط صرف راتب كامل مرة واحدة شهريًا، ولا وقف تحويل الأجور إلى حسابات بنكية مُعطلة، ولا إنقاذ التأمين الصحي من الانهيار. القضية أن الحكومة تسمح بأن تُدار مصانع تاريخية بعقلية الإملاء، ثم تستغرب أن العمال يغضبون. في بلد تُرهق فيه الأسعار الناس يوميًا، يصبح الراتب المنتظم هو خط الدفاع الأخير. وحين يُكسر هذا الخط، لا يبقى سوى الاحتجاج.

