تكتب إيمي فالون أن الشابة الفلسطينية شهد النعيمي لم تعرف الكتابة قبل اندلاع الإبادة في غزة، لكن دفعها فقدان صديقة لها – واحدة من أكثر من سبعين ألف ضحية سقطوا في الحرب الإسرائيلية على القطاع – إلى حمل القلم وتدوين ما يجري حولها.
تتحدث شهد عبر اتصال على منصة زوم من سطح منزل عمها في غزة، بعدما دمرت الغارات منزل عائلتها المجاور، فأصبح السطح ملاذها الهادئ. تقول: «نحمل مسؤولية تذكّرهم وجعل العالم يتذكرهم». وترى أن الكتابة تحولت إلى السلاح الوحيد الذي تستطيع حمله في مواجهة الألم والخسارة.
تنشر العربي الجديد هذه القصة التي تسلط الضوء على مبادرة ثقافية نشأت وسط الحرب، حيث تحولت الكتابة إلى وسيلة مقاومة رمزية تحفظ الذاكرة وتبني جسور تواصل مع العالم. بعد أن عرضت شهد بعض نصوصها على أصدقاء في الجامعة، شجعها هؤلاء على مشاركة قصصها خارج حدود غزة.
بدأت تراسل أي شخص يمكن أن يمنحها فرصة للنشر، حتى وصل صوتها إلى برلين، حيث تواصلت معها رسامة كتب الأطفال ليلى بوكريم واقترحت عليها إعداد «زين»؛ وهو كتيب فني صغير يصنع يدويًا ويشبه مجلة مصغرة تضم قصصًا ومقالات وقصائد.
ولادة «زينات غزة»
تعود كلمة «زين» إلى اختصار «فانزين»، وهو مصطلح ظهر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بين محبي الخيال العلمي في مدينة شيكاجو الذين نشروا مجلات صغيرة بأنفسهم. تبنت شهد هذا الشكل الإبداعي ليصبح وسيلة لنقل تجربتها وتجارب آخرين في غزة. عملت ليلى بوكريم على تحرير نصوص شهد التي جمعتها في كتيب صغير، بينما رسمت صديقتها أود أبو نصر الرسومات الخاصة بالغلاف، وصممت زينة عزوقة الشكل النهائي للكتيب.
أطلقت هذه المبادرة مشروعًا أكبر حمل اسم «كوستال لاينز برس»، وهو تجمع للكتّاب والفنانين من غزة يهدف إلى نشر هذه الكتيبات الإبداعية. يصف المشاركون المبادرة بأنها أشبه بسفن تعبر البحار وترسم خطوطًا من التضامن الإنساني بين غزة والعالم. منذ إطلاق المشروع، نشر الفريق أكثر من واحد وعشرين كتيبًا بلغات متعددة، وشارك فيه نحو أربعين كاتبًا، معظمهم يعيشون داخل القطاع بينما يقيم بعضهم في الخارج.
تشير ليلى إلى أن كثيرًا من الكتّاب أكدوا أن هذه المبادرة غيرت حياتهم لأنها بنت جسورًا بين عالمهم المعزول والعالم الخارجي. يشارك في المشروع أيضًا مئات المتطوعين من محررين ومترجمين ورسامين ومسوقين يعملون جميعًا على تحويل النصوص إلى كتيبات قابلة للنشر. بالنسبة لكثير منهم، يمنح المشروع معنى جديدًا للحياة وسط الأخبار القاسية، إذ يقول بعضهم إن العمل فيه أصبح سببًا يدفعهم للنهوض كل صباح.
الكتابة كوسيلة للبقاء
ينضم إلى المشروع كتّاب آخرون من غزة يحمل كل منهم قصته الخاصة. يكتب طالب الطب عبد الفتاح فاضل عن محاولته تعلم شفاء الأجساد بينما يسعى في الوقت نفسه إلى الكتابة كطريقة لمعالجة الألم الداخلي. تنشر أيضًا إسراء البنا، الطالبة التي تدرس اللغة الإنجليزية، رسومات وقصصًا مصورة في كتيباتها.
تواصل شهد الكتابة من سطح منزل عمها الذي أصابته الغارات لكنه ما زال قائمًا. تبدأ نصوصها عادة في دفتر صغير تدون فيه أفكارها قبل نقلها لاحقًا إلى الحاسوب، بينما تستمر أصوات القصف وإطلاق النار في الخلفية. تقول إن الأخبار تتحدث عن وقف إطلاق النار، لكن الواقع على الأرض يختلف، إذ يستيقظ سكان غزة يوميًا على أصوات الحرب.
تعكس نصوص شهد تفاصيل الحياة اليومية في القطاع. تروي فيها لحظات الفقد القاسية، مثل مقتل شقيقتها الصغيرة وصديقتها المقربة رهف في ديسمبر 2024 بعد أيام قليلة من تبادلهما غرف النوم. لكنها تكتب أيضًا عن صعوبات تبدو أصغر حجمًا لكنها تشكل جزءًا من الحياة اليومية، مثل انقطاع الكهرباء. تقول إن السكان كانوا يحصلون قبل الحرب على نحو ثماني ساعات من الكهرباء يوميًا وكانوا يشتكون من ذلك، أما الآن فقد اختفت الكهرباء تمامًا.
تضامن إنساني يتجاوز الحدود
تفتح مبادرة «كوستال لاينز برس» باب المشاركة أمام أي شخص يرغب في المساعدة، دون اشتراط خبرة احترافية. يملأ المتطوعون نموذجًا على الموقع ثم ينضمون إلى مجموعة تنسيق عبر الإنترنت، حيث يعلن الفريق عن مشروع جديد ويُكلف المتطوعين بالعمل مع الكاتب من مرحلة المسودة الأولى حتى النشر.
ينتج عن كل مشروع نسختان من الكتيب: نسخة مطبوعة وأخرى رقمية. يسمح هذا الشكل المفتوح لأي شخص حول العالم بطباعة نسخ محلية وتوزيعها، وهو ما يتجاوز قنوات النشر التقليدية. يبيع المتطوعون الكتيبات في بلدانهم ويرسلون العائد مباشرة إلى الكاتب عبر رمز إلكتروني مرفق في كل نسخة، بحيث يعود الربح بالكامل للمؤلف.
ترى ليلى أن للكتيبات الورقية تأثيرًا مختلفًا عن القراءة الرقمية، إذ يضعها القارئ على طاولة منزله ويعود إليها مرارًا، ما يخلق علاقة أعمق مع النصوص. وتضيف أن الناس يبحثون اليوم عن مساحات جديدة للتعلم والفن بعيدًا عن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.
كل مرة يشتري فيها شخص كتيبًا، يشجعه المشروع على التواصل مع الكاتب. غالبًا ما تبدأ من هذه الخطوة محادثات شخصية تبني علاقات إنسانية عابرة للحدود. ترى ليلى أن هذه اللقاءات الصغيرة تحمل قدرًا من السحر، لأنها تعيد إنسانية أشخاص جردتهم الخطابات السياسية والإعلامية من صورتهم الإنسانية.
ينضم متطوعون جدد إلى المبادرة كل يوم تقريبًا، ويشارك كثير منهم في اجتماعات أسبوعية عبر الإنترنت مع الكتّاب. رغم الظروف الصعبة، تسود هذه اللقاءات أجواء من الضحك أحيانًا. تقول ليلى إن المشروع قد يبدو بسيطًا، لكنه يحمل روح حركة شعبية تتجاوز فكرة النشر الأدبي.
بالنسبة لشهد، يبقى الأمل الموضوع الأقرب إلى قلبها. تقول إن الأمل هو ما منح الفلسطينيين القدرة على الاستمرار رغم الحرب والاحتلال، وهو ما ساعدها شخصيًا على النجاة من كل ما عاشته. تضيف أن رؤية الضوء وسط الظلام تمنح الإنسان القوة لمواصلة الطريق. لم تكتب قبل الإبادة، لكنها تكتب الآن، وتؤكد أنها ستواصل الكتابة ما دامت قادرة على ذلك.
https://www.newarab.com/features/gaza-zines-creative-stories-and-hope-war-torn-land

