كشفت الحكومة مرة أخرى أن أسهل حلولها للأزمات هو تحميل المواطن التكلفة الكاملة، بعدما رفعت أسعار الوقود وغاز الطهي وتموين السيارات وبعض استخدامات الطاقة للمصانع بنسب تراوحت بين 14% و20% اعتبارًا من فجر الثلاثاء. الزيادة الجديدة لم تكن محدودة ولا معزولة.

 

بنزين 95 صعد من 21 إلى 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيهًا، وبنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيهًا، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيهًا، بينما ارتفعت اسطوانة البوتاجاز المنزلية من 225 إلى 275 جنيهًا، والمتر المكعب لغاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا.

وحتى التقارير الدولية التي رصدت القرار وصفت الزيادة بأنها وصلت إلى نحو 17% في المتوسط، في سياق اضطراب إقليمي وضغط على الإمدادات.

 

الحكومة بررت القرار بما سمته “الوضع الاستثنائي” في الشرق الأوسط، وارتفاع خام النفط، وتكاليف الشحن والتأمين، وسعر الدولار.

لكن هذا التبرير يخفي الحقيقة الأساسية:

مصر دخلت هذه الموجة وهي أصلًا تسير منذ سنوات في طريق رفع الدعم تدريجيًا للوصول إلى استرداد التكلفة، وفق تعهدات معلنة وخطط موازنة تقلص دعم الوقود إلى 75 مليار جنيه في مشروع موازنة 2025-2026.

معنى ذلك أن الحرب سرعت القرار، لكنها لم تخلقه من فراغ.

القرار في جوهره استمرار لمسار رسمي اختار سد الفجوة المالية من جيب المستهلك، لا من إصلاحات أعمق في هيكل الإنفاق والطاقة والنقل.

 

الحكومة تعرف الأثر وتنفذه رغم ذلك

 

وزارة البترول نفسها أقرت في بيان سابق أن الفجوة بين التكلفة وسعر البيع ظلت قائمة حتى بعد زيادات أبريل 2025، وأن الدولة كانت تتحمل نحو 366 مليون جنيه يوميًا، بما يعادل 11 مليار جنيه شهريًا، لدعم البنزين والسولار والبوتاجاز، مع استيراد نحو 40% من السولار و50% من البوتاجاز و25% من البنزين.

هذا الاعتراف مهم لأنه يوضح أن الحكومة لم تكن تتعامل مع زيادات مؤقتة، بل مع خطة مستمرة لتقليص هذه الفجوة، حتى لو جاء التنفيذ على دفعات.

واليوم، مع الزيادة الجديدة، تعود الدولة إلى الوصفة نفسها: بدل البحث عن حماية اجتماعية حقيقية أو تخفيف أثر الصدمة، يجري تمرير التكلفة مباشرة إلى الناس ثم يُطلب منهم تفهم “الظروف الدولية”.

 

الخبير المصرفي محمد عبد العال حذر بعد زيادات سابقة من أن رفع أسعار البنزين والسولار ينعكس مباشرة على التضخم، متوقعًا زيادة بنحو 1.5% خلال الشهور التالية بسبب دخول السولار في تكلفة إنتاج ونقل معظم السلع.

هذا التقدير ليس نظريًا.

السولار ليس وقودًا للنقل فقط، بل عنصر أساسي في سلاسل الإمداد والزراعة والصناعة.

وكل زيادة فيه تتحول سريعًا إلى زيادة في أسعار الخضروات والغذاء والمواصلات والمواد الخام. لذلك فالحكومة لا تستطيع الادعاء بأنها لا تعرف النتيجة.

هي تعرفها جيدًا، لكنها تمضي فيها لأنها تعتبر الموازنة أولوية أعلى من القدرة المعيشية للناس.

 

الغلاء المقبل لن يتوقف عند محطات الوقود

 

الضربة الأخطر ليست في سعر اللتر نفسه، بل في السلسلة التي ستبدأ بعده.

سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في “سي آي كابيتال”، قالت إن رفع أسعار المحروقات يخلق ضغوطًا تضخمية واضحة، حتى لو كانت الخطة معلنة من قبل، وإن هذه الضغوط مع تقلبات الأسواق العالمية قد تدفع البنك المركزي إلى الحذر في مسار الفائدة.

كما رجحت أن يصل متوسط التضخم خلال العام إلى نحو 15% في ظل هذه العوامل.

وهذا يعني أن القرار الجديد لا يضيف عبئًا ماليًا مباشرًا فقط، بل يهدد أيضًا أي آمال في هدوء نسبي للأسعار خلال الشهور المقبلة.

 

الأسواق لا تنتظر كثيرًا حتى تعيد التسعير.

أي زيادة في البنزين أو السولار أو البوتاجاز تتحول فورًا إلى ذريعة في النقل، ثم في تجارة الجملة، ثم في التجزئة.

وإسطوانة البوتاجاز التي قفزت 50 جنيهًا دفعة واحدة ستضغط مباشرة على الأسر الأقل دخلًا، وعلى المطاعم الصغيرة والمخابز غير المدعمة والأنشطة المنزلية.

أما رفع غاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيهًا، فهو ينسف جزءًا من الحجة التي سوقتها الدولة لسنوات حول التحول إلى الغاز باعتباره بديلًا أقل تكلفة.

النتيجة أن المواطن الذي استجاب لهذا المسار سيجد نفسه الآن يدفع أكثر أيضًا.

 

مجدي طلبة، عضو المجلس التصديري للملابس الجاهزة، قال إن زيادات الوقود السابقة رفعت تكلفة النقل على القطاع بين 5% و10%، وطالب الحكومة بعدم تحميل المصانع أعباء إضافية فوق ما تتحمله.

هذه الشهادة مهمة لأنها تؤكد أن أثر الطاقة لا يقف عند المستهلك النهائي، بل يضرب أيضًا كلفة الصناعة المحلية نفسها.

أي أن الحكومة، وهي تقول إنها تحمي الاقتصاد في مواجهة الحرب، تعيد في الواقع تغذية موجة غلاء تضرب الإنتاج والنقل والطلب معًا.

 

مسار قديم يتكرر باسم الأزمة الجديدة

 

ما جرى اليوم ليس استثناءً. 2024 شهد 3 زيادات متتالية، و2025 عرف زيادات إضافية، بينما واصل رئيس الوزراء التأكيد على الوصول إلى مستويات استرداد التكلفة مع الإبقاء على دعم جزئي لبعض المنتجات.

صندوق النقد بدوره ظل يعتبر تسعير الطاقة أحد مفاتيح “الإصلاح”. وفي كل مرة، يأتي الخطاب نفسه: الظروف صعبة، والأسواق مضطربة، والدولة مضطرة.

لكن المضمون واحد: المواطن هو الحلقة الأسهل للتحصيل، والدعم هو البند الأسرع للتقليص، بينما لا تظهر حماية اجتماعية موازية بحجم الصدمة.

 

الخلاصة أن الحكومة لم تواجه أزمة الطاقة بسياسة تحمي الناس، بل بسياسة تحمي الخزانة أولًا.

الزيادة الجديدة في الوقود والبوتاجاز ليست مجرد تعديل سعري.

هي إعلان عن موجة غلاء جديدة ستنتقل من المضخات إلى الأسواق والمصانع وموائد البيوت.

وحين تختار الدولة مرة أخرى أن تدير الأزمة بجباية أسرع بدل إصلاح أعمق، فإنها لا تعالج المشكلة، بل تعيد توزيعها على ملايين المصريين الذين سيدفعون أكثر مقابل كل شيء تقريبًا.