مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
صدمة جديدة في أسواق الطاقة الدولية يصاحبها جنون في أسعار النفط، وحالة توتر شديدة بين الدول المستهلكة مع استمرار الحرب على إيران واتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، توتر غذته أسباب عدة أبرزها تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى لإيران خلفًا لوالده، وهو الشخص المقرب من الحرس الثوري الإيراني، وتوقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز، واستهداف البنية التحتية للمنشآت النفطية في دول المنطقة، ومنها السعودية والإمارات والكويت والبحرين، من قبل الأطراف المتحاربة، وتعطل حركة الناقلات وتكدسها في مياه الخليج، وتزايد المخاطر الأمنية، وتباطؤ أنشطة الشحن، وتراجع المخزونات الاستراتيجية، وتحذيرات صندوق النقد الدولي بشأن التضخم العالمي، وبحث مجموعة السبع الإفراج عن احتياطيات النفط الطارئة.
هذه الصدمة ترجمتها الأسواق التي شهدت اليوم الإثنين، قفزة قياسية في سعر النفط الذي ارتفع بنسبة 27% خلال فترة قصيرة ليصل إلى 120 دولارًا قبل أن يرتد متراجعًا إلى 100 دولار، وهو أعلى مستوى يصل إليه سعر الخام الأسود منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022، ومن المتوقع استمرار هذا المنحى مع استمرار هجوم إيران على الدول الخليجية النفطية، وإغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، وهناك تقديرات بوصول سعر النفط إلى 150 ثم 200 دولار للبرميل في حال طول أمد الحرب، وزيادة السحب من المخزون الاستراتيجي من قبل بعض الدول الكبرى المستهلكة للطاقة، ومنها الولايات المتحدة واليابان والصين وألمانيا وفرنسا.
صاحب قفزة سعر النفط ارتفاعٌ قياسي جديد في سعر الغاز الطبيعي مع توقف قطر عن تصدير الغاز، عقب تعرض بعض منشآت نفطية لعمل عسكري إيراني، وهو الأمر الذي دفع عدة دول نحو زيادة أسعار غاز الطهي وتقنين الاستهلاك.
هذه الصدمة ستكون لها تداعيات خطيرة على الدول المستورة لمشتقات الطاقة مثل البنزين والسولار والغاز والمازوت. مصر في مقدمة المتضررين من تلك القفزة، حيث إن تكلفة وارداتها من مشتقات الطاقة تجاوزت 21 مليار دولار في العام الماضي 2025، ومن المتوقع زيادة التكلفة العام الجاري مع توقف ضخ الغاز الإسرائيلي، فقد قررت دولة الاحتلال إغلاق حقول إنتاج الغاز في شرق البحر المتوسط خوفًا من استهدافها من قبل إيران. وهذا الاحتمال بات أقوى من أي وقت مضي مع استهداف الهجمات الإسرائيلية المنشآت الحيوية في إيران وخزانات ومستودعات الوقود في شمال وجنوب طهران. أيضًا تلعب عوامل أخرى دورًا في زيادة كلفة واردات مصر من الطاقة، منها تراجع الإنتاج المحلي وتعرض شاحنات الغاز الروسي لتهديدات حقيقية في المياه الدولية كما جرى قبل أيام، حيث تم استهداف إحدى ناقلاتها قبالة السواحل الليبية.
الأردن والعراق وتونس واليمن والمغرب والسودان وسورية والجزائر والبحرين ولبنان وفلسطين من بين المتضررين أيضًا من قفزة أسعار النفط والغاز، حيث إن تلك القفزات تغذي موجة تضخم جديدة للأسعار داخل تلك البلدان، بما فيها أسعار الوقود والأغذية، وهو ما يضغط على كلفة المعيشة وأسواق الصرف الأجنبي والعملات المحلية والمركز المالية وموازنات تلك الدول، وقد يدفع حكوماتها نحو زيادة أسعار الوقود وفواتير الكهرباء والمياه مجددًا والتوسع في الاقتراض الخارجي، وهو أمر يمكن أن يثير قلاقل اجتماعية وسياسية، خاصة مع زيادة أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية وتكاليف النقل والشحن وتآكل القدرة الشرائية للمواطن وضعف العملات المحلية والدخول.
قفزة أسعار النفط والغاز أحد أبرز نتائج الحرب على إيران، والتي سيدفع كلفتها الجميع، الاقتصاد العالمي خاصة الأوروبي الهش، الدول المنخرطة في الحرب وفي المقدمة إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج ولبنان والأردن والعراق، وكذا اقتصادات دول أخرى في المنطقة مثل مصر والأردن وسورية والعراق، ولا استثناء لأحد من سداد تلك الفاتورة الباهظة.

