ربطَ الحرس الثوري الإيراني بين تثبيت مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا للجمهورية الإسلامية وبين توسيع وتيرة الرد العسكري، فأعلن فجر الاثنين إطلاق “الموجة 30” من عملية “الوعد الصادق 4” باستخدام صواريخ قال إنها من طراز “خرمشهر” و”فتح” و”خيبر” إلى جانب طائرات مسيرة، مستهدفًا إسرائيل وأهدافًا أمريكية في المنطقة.

وفي إسرائيل، قالت وسائل إعلام إسرائيلية إن صاروخًا سقط في الوسط وأدى إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين، بينما تحدثت تقارير إسرائيلية عن استخدام ذخائر عنقودية أو قنابل صغيرة متناثرة في بعض الضربات الأخيرة على الوسط الإسرائيلي.

وجاء هذا كله بعد ساعات من إعلان تعيين مجتبى خامنئي، البالغ 56 عامًا، مرشدًا جديدًا بعد مقتل والده علي خامنئي في ضربة يوم 28/2/2026.

 

تصعيد عسكري سريع بعد التعيين

 

أرادت طهران أن يبدو الانتقال في قمة السلطة متصلًا مباشرة باستمرار الحرب، لا مفصولًا عنها.

لذلك جاء الإعلان الإيراني عن أول موجات الرد بعد التعيين بوصفه رسالة سياسية وعسكرية في وقت واحد.

إذاعة وتلفزيون إيران الرسميان تحدثا عن أول موجة صاروخية تحت قيادة مجتبى خامنئي، فيما رصدت تقارير دولية اتساع نطاق الهجمات الإيرانية على إسرائيل وعلى أهداف أمريكية وخليجية بالتزامن مع تثبيت القيادة الجديدة.

هذا التزامن لا يبدو عرضيًا. هو ترتيب مقصود لربط شرعية المرشد الجديد بخطاب “الصمود والرد”، لا بخطاب الانتقال الهادئ أو البحث عن مخرج سياسي سريع.

 

اللافت أن الحرس الثوري لم يكتف بإعلان نوعية الصواريخ، بل حرص أيضًا على إبراز البعد الرمزي للهجوم. الإعلام الإيراني نشر صورة صاروخ كُتب عليه “لبيك سيد مجتبى”، بما يحول الجولة العسكرية إلى إعلان بيعة بالنار.

في المقابل، قالت القناة 12 الإسرائيلية إن الصاروخ الذي سقط في وسط إسرائيل حمل 24 قنبلة صغيرة يتراوح وزن الواحدة منها بين 2 و5 كغم، بينما تحدثت وسائل إسرائيلية أخرى عن صواريخ عنقودية نشرت نحو 20 ذخيرة فرعية بوزن يقارب 2.5 كغم لكل واحدة.

الفارق في الأرقام بين المصادر قائم، لكن الثابت أن إسرائيل أعلنت خلال الأيام الأخيرة التعامل مع تهديد ذخائر فرعية متناثرة فوق الوسط، وهو ما يوسّع نطاق الضرر ويزيد صعوبة الحماية المدنية.

 

فابيان هينز، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، كان قد شرح في تحليل سابق لوكالة متخصصة في الشؤون العسكرية أن استخدام الرؤوس الحربية العنقودية في الصواريخ الباليستية يمنح المهاجم قدرة على تهديد مساحة أوسع ويعقّد مهمة الدفاعات الجوية في المرحلة النهائية من المسار.

أهمية هذا التقدير أنه يضع “الموجة 30” في سياق عسكري أوسع: إيران لا تريد فقط إظهار استمرار الإطلاق بعد مقتل خامنئي الأب، بل تريد أيضًا إظهار أن لديها أدوات مختلفة لإرباك أنظمة الاعتراض الإسرائيلية والأمريكية.

 

حصيلة الضربة ورسالة الداخل الإيراني

 

في الداخل الإسرائيلي، أفادت وسائل إعلام عبرية بمقتل شخصين في مدينة يهود شمال تل أبيب بعد إصابتهما في الضربة الأخيرة، قبل أن تعلن وفاتهما لاحقًا، مع إصابة آخرين في المنطقة نفسها.

وفي أيام سابقة من الحرب، وثقت تقارير إسرائيلية إصابات متعددة جراء صواريخ عنقودية إيرانية سقطت في الوسط، بينها إصابة 12 شخصًا قرب تل أبيب في 3/3/2026.

لذلك تبدو ضربة فجر الاثنين امتدادًا لمسار تصعيدي قائم، لكنها تحمل ثقلًا سياسيًا أكبر لأنها جاءت مباشرة بعد إعلان المرشد الجديد، وكأن طهران أرادت أن تقول إن خط القيادة لم ينكسر رغم الاغتيال، وإن الرد لن يتراجع بل سيتواصل تحت اسم جديد.

 

ولي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز، قال إن عودة اسم مجتبى خامنئي إلى واجهة السلطة تعني أن التيار الأكثر تشددًا والأقرب إلى الحرس الثوري هو الذي يمسك الآن بالنظام.

هذه الملاحظة تفسر لماذا لم تُفتتح المرحلة الجديدة بإشارات تهدئة، بل بموجة صاروخية واسعة. اختيار مجتبى لم يكن في جوهره بحثًا عن شخصية انتقالية تخفف النار.

كان تثبيتًا لمعسكر أمني عقائدي يرى أن إظهار الصلابة بعد الضربة الإسرائيلية الأمريكية أهم من كلفة التصعيد نفسه.

 

في هذا السياق، لا تبدو بيانات البيعة الصادرة من الحرس الثوري وهيئة الأركان ووزارة الأمن مجرد طقوس سياسية.

هي جزء من بناء مشهد قوة سريع بعد لحظة اغتيال هزت رأس النظام.

الدولة العميقة الإيرانية أرادت أن تغلق باب السؤال عن الفراغ، وأن تنقل مركز الثقل فورًا من صدمة مقتل علي خامنئي إلى صورة قائد جديد تُكتب باسمه الشعارات على الصواريخ.

هذه صورة نافعة دعائيًا، لكنها لا تلغي أن الحرب نفسها تستهلك إيران بسرعة، وأن الصعود الجديد يحدث في لحظة هشاشة لا في لحظة انتصار مستقر.

 

الخلاصة أن “الموجة 30” لم تكن مجرد جولة قصف جديدة. كانت أول اختبار علني لعهد مجتبى خامنئي، وأول محاولة لربط اسمه مباشرة بمسار الحرب. المرحبون داخل إيران وحلفائها قرأوها باعتبارها إعلان استمرار. الرافضون رأوها دليلًا على أن الانتقال تم لمصلحة المعسكر الأكثر تشددًا.

أما النتيجة العملية حتى الآن، فهي أن إسرائيل تلقت ضربة جديدة أوقعت قتيلين ومصابين في الوسط، وأن المنطقة ابتعدت أكثر عن أي تهدئة قريبة، لأن القيادة التي بدأت تحت القصف اختارت أن تعلن نفسها بالقصف أيضًا.