عادل صبري
كاتب وصحفي مصري
في لحظة تحولت فيها المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى إلى حرب مفتوحة أشعلت الشرق الأوسط، ظهر الوجه الحقيقي القاسي للأنظمة الثلاثة التي تخوض حربًا، بأنها أفقر ما تكون إلى شعوبها.
ورغم الاختلاف الواضح بين دولة بحجم أميركا تروج منذ اعتلائها عرش النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بأنها قائدة العالم الحر، فإن رئيسها الذي شن الحرب بدون موافقة الكونغرس، بدعم من عصابة اليمين الصهيوني المتطرف، اتخذ شريكًا له في القرار من كيان آخر، بقيادة متطرف أفظع منه هو بنيامين نتنياهو، يرفع لواء دولة دينية، أصبحت فيها اليهودية عقيدة وبطاقة هوية، تتخذها شعارًا لـ"واحة ديمقراطية تعيش بين جيران من البرابرة"، بينما يواجه حلفاء الشيطان نظامًا ثيوقراطيًا مبنيًا على عقيدة شيعية راسخة عمرها 14 قرنًا، تقوده نخبة دينية تتعالى على مواطنيها.
يتسابق الثلاثة على الفوز بمعركة عسكرية تبدو فيها الشعوب غائبة عن القرار الذي اتخذه قادتهم بينما هم من يحملون أوزار جرائم الحرب ومجرميها. بالأمس طلب نتنياهو من الإسرائيليين تحمّل نتائج الحرب، وعدّ فُرقة "الشعب" حول قراره المنفرد بالحرب وهروب أفراده من الجيش وللخارج جريمة وطنية، ويسعى ترامب إلى تأييد البرلمانيين والمواطنين للحرب وتحمل تكلفتها بعدما اتسع الخرق على الراتق، وبعدما أتت الضربات على رأس النظام وأعوانه في طهران، دعا خلفاؤهم المواطنين إلى الثبات وعدم الفرار للخارج خاصة المتجهين إلى ناحية الحدود التركية ودول آسيا.
لكن السؤال الذي لم يجرؤ أي من الأطراف الثلاثة على طرحه بصوت عالٍ هو: ماذا يحدث حين تحتاج الأنظمة إلى دعم شعوب لا تثق بها أصلًا؟ فقد اتضح لكل منها أن النصر العسكري لا يمكن أن يتحقق بامتلاك السلاح والتكنولوجيا والمال دون أن يكون هناك شعب يريد أن يفخر بما لديه من هذه الأدوات ليحقق بها النصر أو يكون قادرًا على تحمل تبعات الهزيمة في حالة وقوعها، دون أن يفقد الثقة بوطنه وقادته.
جاءت إجابة هذا السؤال واضحة في دراسة اعتمدت على توجيه سؤال مفتوح لـ33 ألفًا و486 شخصًا في 25 دولة حول العالم، مختلفة من حيث النظام السياسي والديمقراطي والحريات الفردية وحقوق الإنسان والخدمات والرفاهية وقوة الاقتصاد ومستوى المعيشة، حول أسباب التفاف الشعب حول قادته. بينت خلاصة الدراسة -التي صدرت في فبراير الماضي لمركز بيو (Pew Research Center) وأخرى سابقة عليها لمركز غلوبال الأميركيين، شملت دول المنطقة- أن أغلبية شعوب العالم وخاصة الشرق الأوسط لم تعد تثق بحكوماتها، ولا تشعر بأي قدر يُذكر من الفخر بأداء اقتصاداتها أو إدارتها للسياسة العامة في عالم يشتعل بالحروب. هذه ليست مجرد معلومة من واقع استطلاعات رأي للجمهور بل كارثة استراتيجية.
فالحرب تكشف الفرق بين دولة لها شعب وأخرى لها رعايا، فالدول الديمقراطية التي تملك مؤسسات راسخة وتعتمد على شرعية نابعة من الناس لا تحتاج إلى شراء الولاء، ولا إلى حشد إعلامي فج كما يفعل ترامب أو نتنياهو أو المرشد الأعلى في طهران، لأن الدول الديمقراطية بحق تعرف أن شعوبها ستقف معها، لأن العلاقة بين الطرفين قائمة على المصلحة المتبادلة، لا الخوف المتبادل. أما الأنظمة السلطوية التي تواجه أزمة اليوم، فتدخل الحرب وفي يدها ورقة واحدة فقط هي: القمع الذي لا يصنع جنديًا مؤمنًا، ولا مواطنًا صلبًا، ولا ظهرًا وطنيًا يمكن الاعتماد عليه حين يقترب الخطر من الحدود.
فالحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ليست معركة حدودية، بل مفصل تاريخي يعيد رسم خطوط القوة بالمنطقة، بل وخريطتها كما يتمنى رأس الحربة الصهيوني نتنياهو وعصابته في تل أبيب وواشنطن. ومع ذلك يطالب مثل ترامب ونظام الفقيه المواطنين بأن يكون لديهم اصطفاف وطني وثقة بالقيادة، واستعداد لتحمل تكاليف الحرب وقبول إجراءات استثنائية، دون أن يسأل أي منهم كيف يطالبون شعوبًا منهكة، فاقدة للثقة، بأن تصطف خلف حكومات لا تمنحها إلا الشعارات؟! هنا تبرز أهمية نتائج مركزي "بيو" و"غلوبال" عبر تجارب مثبتة بعيدًا عن النظريات، حيث بيّنت أن الفخر الوطني يرتفع في الدول التي تملك اقتصادًا يعمل فعلًا، وتحاسب مسؤوليها وتحترم مؤسساتها وتوظف مواردها للتنمية لا للدعاية.
وفي المقابل، ينهار في الدول التي تُدار ثرواتها بقدر كبير من سوء الإدارة، تتآكل فيها الطبقة الوسطى، ويتحول الإعلام فيها إلى "ميكروفون لسلطات" تستبدل التنمية بالمشروعات الاستعراضية. فحين يندلع الصراع، تظهر فجأة النتائج المؤلمة لتجاهل الشعوب سنوات طويلة، حيث أنظمة في قلب الحرب لكنها بلا ظهير سياسي، تحاول توظيف الحرب -كما في طهران- لاستعادة الإرث التاريخي للأمة الإيرانية الممتد لآلاف السنين لتوحيد الصف في مواجهة الغزاة.
وكذلك تفعل إسرائيل التي فقدت سمعتها عالميًا دولة ديمقراطية وراعية للحريات بالمنطقة بعد المجازر التي ارتكبتها بوحشية ضد آلاف النساء والأطفال، وضد سكانها الرافضين للحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك هناك مواطنون يشعرون أثناء الحرب بأن هناك حكومة تحمي مصالحهم الجوهرية، يدعمونها من واقعية المصلحة المشتركة، ولا علاقة لذلك بالحب ولا العقيدة اليهودية ذاتها. وهكذا ترامب الذي يلقى دعمًا من ملايين المهووسين بـ"أميركا أولًا" ممن لديهم الاستعداد لمحاربة كل خصومه بالمال والسلاح.
أما معظم دول الشرق الأوسط التي تعيش بين فساد اقتصادي وغياب المحاسبة واحتكار القرار، فهي مع توسع نطاق الحرب تواجه لحظة الحقيقة، حيث الشعوب التي طُلب منها الصمت طويلًا يُرجى منها اليوم وسط صراع عسكري أن تقاتل أو تستعد للحرب وتحمّل تكاليفها، لتضع الحكومات نفسها في اختبار لا يُقاس في ساحة المعركة، بل في الشارع الداخلي. وهنا يبرز السؤال المهم: هل يثق الناس بحكومتهم بما يكفي ليحمّلوها مسؤولية أرواحهم ومستقبلهم واقتصادهم ومعيشتهم؟ دراسة "بيو" تقول: إن الأغلبية الساحقة من دول العالم النامي -والشرق الأوسط تحديدًا- تأتي الإجابة بـ"لا".
هذه "اللا" ليست سياسية فقط، بل إنها موقف استراتيجي لمواطن لديه استعداد لأن يترك نظامًا يسقط، لأنه ترك شعبه يتآكل بتهميش الحكومات لأفراده لسنوات، وإضعافهم المؤسسات المدنية، وإغلاق المجال العام، كما شاهدنا أخيرًا في سورية "الأسد"، ومن قبل عراق "صدام" وأنظمة الربيع العربي. لم تترك هذه الأنظمة أدوات تساهم في إنقاذها وقت اللزوم، فلا إعلام قادرًا على الإقناع، ولا مؤسسات تتمتع بمصداقية، ولا اقتصاد يسمح بالتحمّل، ولا ثقة شعبية تُشكل قاعدة دعم.
لقد أرادت هذه الأنظمة شعوبًا صامتة، واليوم تحتاج شعوبًا صامدة، لكن الصمت لا يصنع الصمود، لأن الحرب في النهاية ليست حرب سلاح وتكنولوجيا وأموال، بل حرب ثقة. ففي لحظة المواجهة الكبرى، تتعرّى الأنظمة، فنرى بعضها يقاتل لأنه يمتلك شعبًا، وبعضها ينهار لأنه لم يمتلك يومًا إلا أجهزة أمن وإعلام.
لقد جاءت استطلاعات الرأي للمركزين البحثيين كمرآة تكشف أن الشرعية الحقيقية تُبنى قبل الحرب، لا أثناءها، وأن الحكومات التي لا تمنح شعبها ما يستحق من عدالة وكرامة وشفافية، لا يمكن أن تطلب منه يوم الحرب أن يخشى الهزيمة أكثر مما يخشى حكومته، فالأنظمة التي تراهن على الخوف بدل الفخر، في الواقع تدخل التاريخ من بابه الخلفي.

