شهد شرق لبنان وجنوبه خلال ليل الجمعة/السبت 6 و7 مارس 2026 واحدة من أعنف جولات التصعيد منذ تجدد الحرب الأسبوع الماضي، بعدما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 16 قتيلًا على الأقل و35 جريحًا في غارات إسرائيلية استهدفت بلدة النبي شيت في البقاع خلال الليل، مع تأكيدها أن الحصيلة مرشحة للارتفاع.

وفي الوقت نفسه، تحدثت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان عن حصيلة أوسع بلغت 26 قتيلًا في بلدات عدة، ما يعكس اتساع الضربات وتداخل العمليات الجوية مع تحركات برية وإنزال عسكري في المنطقة.

 

هذا التصعيد لا يبدو مجرد جولة قصف تقليدية، بل يحمل ملامح عملية مركبة شملت غارات جوية وتحركًا بريًا إسرائيليًا في عمق البقاع، بالتزامن مع اشتباكات أعلن حزب الله خوضها مع قوة مشاة إسرائيلية قال إنها تسللت إلى النبي شيت بعد إنزال نفذته 4 مروحيات.

ومع اتساع رقعة الاستهداف من البقاع إلى الجنوب، يتزايد القلق من انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعًا وخطورة، خصوصًا مع ورود تقارير عن سقوط قتلى من الجيش اللبناني والأمن العام بين الضحايا.

 

ويرى اللواء هشام جابر، وهو لواء لبناني متقاعد وخبير عسكري، أن العمليات التي تجمع بين الغارات والإنزال الأرضي تعكس تحولًا في طبيعة الاشتباك من قصف استنزاف إلى محاولات ضغط ميداني مباشر.

ويعني ذلك أن إسرائيل تحاول اختبار قدرة خصومها على الرد في أكثر من جبهة في التوقيت نفسه، وهو ما يرفع تلقائيًا كلفة التصعيد على المدنيين والبنية الأمنية اللبنانية.

 

النبي شيت في قلب عملية مركبة

 

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن غارات الليل على النبي شيت أسفرت وحدها عن 16 قتيلًا على الأقل و35 مصابًا، مع التحذير من احتمال ارتفاع العدد لاحقًا.

لكن الرواية الميدانية اتسعت سريعًا مع ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام عن أن العملية لم تكن غارة منفردة، بل شملت إنزال مجموعة كوماندوز إسرائيلية في المنطقة الجردية على سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية، بين بلدات الخريبة ومعربون ويحفوفا، قبل تسلل العناصر نحو محيط مدافن آل شكر في الحي الشرقي من النبي شيت.

 

هذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن المواجهة في البقاع لم تعد محصورة في ضربات من الجو، بل دخلت فيها وحدات إنزال ومشاة، وهو ما يفسر إعلان حزب الله أن عناصره اشتبكوا ليلًا مع القوة المتسللة.

كما أن الحديث عن استخدام 4 مروحيات أباتشي في العملية يعكس حجم الإسناد العسكري الذي رافق التحرك الإسرائيلي، ويؤشر إلى أن المنطقة كانت هدفًا لعملية محسوبة لا لضربة خاطفة فقط.

 

ويقول الدكتور عبدالله الأشعل، أستاذ العلاقات الدولية، إن التوسع من الغارات إلى الإنزال البري يعكس سعيًا إسرائيليًا إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء التفوق الجوي. ويضيف أن هذا النوع من العمليات يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أشمل، لأنه يخلط بين الضغط العسكري المباشر ومحاولة استنزاف الخصم داخل مناطقه، وليس فقط من خلال القصف عن بعد.

 

حصيلة أوسع وبلدات عدة تحت النار

 

بحسب الوكالة الوطنية للإعلام، فإن الحصيلة الأوسع للغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في بلدات لبنانية عدة بلغت 26 قتيلًا، بينهم 3 عسكريين من الجيش اللبناني وعنصر من الأمن العام و15 من أبناء النبي شيت و9 في الخريبة، إضافة إلى قتلى في بلدات سرعين وعلي النهري. هذه الأرقام تضع المشهد خارج إطار حادث منفصل، وتؤكد أن ليلة واحدة شهدت ضربات متزامنة في أكثر من موقع، مع سقوط ضحايا من مؤسسات الدولة إلى جانب المدنيين.

 

وفي الجنوب، استمرت الغارات على المدن والبلدات، وأفادت الوكالة نفسها بإصابة 3 أشخاص بجروح متوسطة في برج رحال نقلوا إلى مستشفيات صور.

كما تحدثت عن مجزرة في جبشيت بعد غارة جوية استهدفت منزلًا ودمرته بالكامل، ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص بينهم 4 من عائلة واحدة.

هذه الوقائع تعكس أن الجنوب والبقاع يتعرضان في آن واحد لضغط جوي متواصل، بما يزيد من حجم الخسائر البشرية وحركة النزوح الداخلي.

 

ومن زاوية سياسية، تبدو هذه الحصيلة عبئًا إضافيًا على الدولة اللبنانية التي تحاول احتواء التداعيات الأمنية والإنسانية في وقت واحد.

فوجود قتلى من الجيش اللبناني والأمن العام يعني أن الغارات لم تعد تضرب فقط بيئة حزب الله أو مناطقه التقليدية، بل باتت تمس مباشرة مؤسسات الدولة، وهو ما يوسع من دائرة الغضب الداخلي ويصعب مسار أي تهدئة سريعة.

 

وترى السفيرة والدبلوماسية اللبنانية أمل مدللي، التي تشغل منصب المندوبة الدائمة للبنان لدى الأمم المتحدة، أن اتساع الخسائر في بلدات عدة خلال فترة قصيرة يضع لبنان أمام اختبار ثقيل دبلوماسيًا وإنسانيًا، لأن المجتمع الدولي لا يستطيع تجاهل سقوط هذا العدد من المدنيين والعسكريين في عمليات متلاحقة.

 

تصعيد يهدد بمواجهة أوسع

 

ما جرى في النبي شيت والخريبة وجبشيت لا يمكن فصله عن المسار العام للحرب التي دخلت مرحلة أكثر اتساعًا خلال الأيام الماضية.

فالوكالة الوطنية للإعلام تواصل نشر تحديثات عن غارات إسرائيلية مكثفة على مناطق الجنوب والضاحية وأجزاء من البقاع، مع استمرار القصف المدفعي والتحركات البرية في بعض المحاور.

وهذا يعني أن لبنان يعيش الآن تحت ضغط جبهات مفتوحة، لا تحت وطأة حادث أمني منفرد.

 

الخطر في هذا المسار أن الضربات لم تعد تقتصر على استهداف مواقع بعينها، بل باتت تنتج حصائل متصاعدة من القتلى وتوسّع دائرة الاستهداف الجغرافي.

وعندما تترافق الغارات مع إنزال كوماندوز واشتباكات ميدانية، يصبح الحديث عن عملية محدودة أقل إقناعًا.

الأرجح أن إسرائيل تحاول تعميق الضغط على حزب الله في البقاع والجنوب معًا، فيما يسعى الحزب إلى إثبات قدرته على الرد ومنع تحويل تلك المناطق إلى ساحات اختراق مفتوح.

 

لهذا تبدو ليلة 6 و7 مارس 2026 علامة فارقة في مسار التصعيد.

فهي لم تُسفر فقط عن 16 قتيلًا في النبي شيت وفق وزارة الصحة، أو 26 قتيلًا في حصيلة أوسع وفق الوكالة الرسمية، بل كشفت أيضًا أن الحرب تتجه إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تختلط فيه الغارات بالمواجهات البرية، ويتسع فيه الثمن المدفوع من المدنيين والعسكريين معًا.

وإذا استمرت هذه الوتيرة، فإن لبنان سيكون أمام أيام أشد قسوة من تلك التي شهدها منذ تجدد القتال الأسبوع الماضي.