في سجلّ التاريخ العربي المعاصر، يقف العاشر من رمضان محطة استثنائية لا تُقرأ كذكرى عسكرية عابرة، بل كتحوّل استراتيجي أعاد صياغة معادلات القوة في المنطقة.

 

ففي هذا اليوم، الموافق العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر 1973، انطلقت شرارة الحرب التي عُرفت عربيًا بـحرب أكتوبر، لتعلن بدء مرحلة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي، وتفتح الباب أمام استعادة الثقة والكرامة بعد نكسة عام 1967.

 

لم تكن المعركة مجرد مواجهة حدودية، بل كانت اختبارًا شاملًا لقدرة العقل العسكري العربي على التخطيط والتنفيذ في ظل ظروف إقليمية ودولية معقّدة.

 

ومع دقات الساعة الثانية ظهرًا، أقلعت الطائرات المصرية لتوجيه ضربة جوية مركزة استهدفت مواقع العدو الحيوية على طول الجبهة، فاتحة الطريق أمام قوات المشاة التي اندفعت لعبور قناة السويس تحت غطاء مدفعي كثيف، في واحدة من أوسع عمليات التمهيد النيراني المتزامن في تاريخ الحروب الحديثة.

 

عبور القناة.. سقوط الأسطورة

 

في الساعات الأولى من القتال، تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس وتحطيم تحصينات خط بارليف، الذي روّجت له إسرائيل باعتباره حاجزًا دفاعيًا يستحيل اختراقه.

 

وقد اعتمدت الخطة المصرية على عنصر المفاجأة والتنسيق المحكم بين أفرع القوات المسلحة، إضافة إلى ابتكار هندسي لافت تمثّل في استخدام مضخات المياه عالية الضغط لفتح ثغرات في الساتر الترابي الضخم، ما مكّن الدبابات والمركبات من العبور إلى عمق سيناء.

 

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 ألف جندي عبروا إلى الضفة الشرقية خلال الساعات الأولى، فيما تم إنشاء رؤوس كباري بعمق وصل إلى نحو 20 كيلومترًا داخل سيناء.

 

كما نجحت وحدات المهندسين العسكريين في تعطيل أنابيب النابالم التي أعدّتها إسرائيل لإشعال سطح القناة، لتتبدد واحدة من أخطر العقبات التي كانت تهدد عملية العبور.

 

قرار الحرب.. من الإعداد إلى ساعة الصفر

 

جاءت الحرب بعد سنوات من إعادة بناء الجيش المصري عقب هزيمة 1967. ومع تولي الرئيس الراحل أنور السادات الحكم خلفًا لـجمال عبد الناصر عام 1970، أُعلن أن استعادة الأرض المحتلة خيار لا رجعة فيه. وأكد السادات أن الإعداد العسكري هو الطريق الوحيد لفرض واقع سياسي جديد.

 

وفي إطار التنسيق العربي، عُقدت لقاءات مكثفة بين القاهرة ودمشق، كان أبرزها اجتماع السادات مع الرئيس السوري حافظ الأسد في يناير 1973، حيث جرى الاتفاق على خوض الحرب بشكل متزامن على الجبهتين المصرية والسورية.

 

وفي أغسطس من العام نفسه، تشكلت قيادة مشتركة لضمان وحدة القرار العسكري، وصولًا إلى تحديد السادس من أكتوبر موعدًا لبدء العمليات.

 

الجبهة السورية.. معارك الجولان

 

بالتوازي مع العبور المصري، شنّ الجيش السوري هجومًا واسعًا على مواقع الاحتلال في هضبة الجولان، وحقق تقدمًا ملحوظًا خلال الأيام الأولى، وبلغت قواته مشارف بحيرة طبريا وسهل الحولة.

 

ورغم أن إسرائيل استعادت زمام المبادرة لاحقًا على الجبهة الشمالية، فإن الأداء السوري في بداية المعارك مثّل عنصر ضغط حاسمًا أربك القيادة الإسرائيلية وشتّت قدراتها بين جبهتين.

 

الدعم العربي والجسور الجوية

 

لم تكن الحرب معركة مصر وسوريا وحدهما، بل شهدت تضامنًا عربيًا واسعًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. وفي المقابل، سارعت الولايات المتحدة إلى دعم إسرائيل عبر جسر جوي قُدّر حجمه بنحو 27 ألف طن من المعدات والأسلحة، بينما قدم الاتحاد السوفيتي دعمًا لمصر وسوريا شمل عشرات الآلاف من الأطنان من العتاد العسكري عبر الجو والبحر.

 

وقد أسهم هذا الانخراط الدولي في رفع مستوى التصعيد، ما دفع مجلس الأمن إلى إصدار قرار بوقف إطلاق النار في 24 أكتوبر 1973، على أن يدخل حيز التنفيذ الكامل بعد أيام من الاشتباكات المتقطعة.

 

من الكيلو 101 إلى استرداد سيناء

 

أعقبت وقف إطلاق النار مفاوضات مباشرة عُرفت بمباحثات الكيلو 101، أفضت إلى توقيع اتفاقيتي فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل. ومهّدت تلك التفاهمات الطريق أمام مسار سياسي انتهى بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 26 مارس 1979، والتي ترتب عليها انسحاب إسرائيل الكامل من سيناء في 25 أبريل 1982، فيما استعادت مصر طابا عبر التحكيم الدولي عام 1989.

 

دلالات استراتيجية وتحولات عميقة

 

مثّلت حرب أكتوبر نقطة تحول جوهرية في الفكر العسكري العربي، إذ أثبتت أن التخطيط العلمي والإرادة السياسية قادران على كسر معادلات التفوق التقليدي.

 

كما أعادت الحرب صياغة التوازنات الإقليمية، ومهّدت لمرحلة جديدة من التفاوض السياسي بعد أن فُرض واقع عسكري مختلف على الأرض.

 

أما على الصعيد المعنوي، فقد أعاد العاشر من رمضان إلى الشارع العربي شعور الثقة بالقدرة على الفعل والتأثير، ورسّخ في الوجدان الجمعي صورة الجندي الصائم الذي قاتل بإيمان وعزيمة في ظروف بالغة القسوة.

 

يوم يتجاوز لحظته التاريخية

 

يتقاطع العاشر من رمضان مع محطات تاريخية وإسلامية أخرى، ما أضفى عليه بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار الزمني لعام 1973. لكنه في الوعي العربي المعاصر يبقى عنوانًا للعبور الكبير، ودرسًا في أن الإرادة المدعومة بالتخطيط قادرة على تغيير مسار التاريخ.

 

وهكذا يظل العاشر من رمضان شاهدًا على لحظة فارقة أعادت صياغة معادلات الصراع، وكتبت سطورًا خالدة في سجل الانتصارات العسكرية العربية، لتبقى ذكراه حاضرة في وجدان الأجيال بوصفها رمزًا للكرامة الوطنية واستعادة الأرض بالعلم والسلاح والإرادة الصلبة.