أثارت واقعة سيارة تحمل ملصقاً على شكل علم إسرائيل في كرداسة حالةً من الغضب والتوتر، بعد أن تطورت مشادة مع السائق إلى محاولة فرار، اصطدم خلالها بعدد من المواطنين والسيارات، قبل أن يتمكن الأهالي من توقيفه وتسليمه للشرطة.

وتتحدث بعض المنصات عن إصابة 3 مواطنين على الأقل، بينما تستخدم منصات أخرى تعبيرات أوسع من قبيل "عدد من المواطنين"، في ظل غياب بيان رسمي تفصيلي يوضح حصيلة الإصابات والاتهامات الموجهة إلى السائق حتى الآن، ما يترك الباب مفتوحاً أمام تساؤلات حول طريقة التعامل مع حادث يجمع بين دلالة سياسية واضحة وخطر مباشر على المارة في الشارع.

 

تفاصيل الواقعة كما تظهر في الفيديوهات وروايات الأهالي

 

الفيديوهات التي جرى تداولها على فيسبوك تدور حول مشهد واحد في كرداسة: سيارة خاصة وُضع على زجاجها الخلفي ملصق يحمل شكل "علم إسرائيل/نجمة داود"، يلاحظه المارة فتنشب مشادة، ويتجمع عدد من الأهالي حول السيارة في شارع ضيق، قبل أن يحاول السائق التحرك بسرعة والابتعاد من المكان.

 

رابط على فيسبوك (يحمل عنواناً متداولاً من نوع "دهس مواطنين.. الأهالي يضبطون سائق سيارة تحمل علم إسرائيل في كرداسة") يقدم الفيديو بوصفه توثيقاً للحظة الاصطدام وتجمهر الأهالي:

 

 

بينما يضيف رابط صفحة "algharbianews.tv" صياغة عاجلة أكثر حدة، تركز على "ضبط قائد سيارة عليها علم إسرائيل بعد دهس مواطنين":

 

 

أما الناشطة سهير إبراهيم، فنشرت المقطع والسرد نفسه تقريباً، وعلّقت: "بعد دهسه للمواطنين والسيارات.. الأهالي تحاصر سائق سيارة تحمل علم إسرائيل":

 

 

نص مصراوي المنشور على موقعه، وفق الصياغة المطابقة لعنوان منشور فيسبوك، يتحدث عن "غضب واحتقان" في الشارع بعد صدم أو دهس "عدد من المواطنين" بواسطة سيارة تحمل على زجاجها الخلفي شعاراً يشبه علم إسرائيل، ويؤكد أن الأهالي هم من أوقفوا السيارة قبل وصول قوات الأمن إلى المكان. ويصف التقرير المشهد باعتباره تجمهراً واسعاً حول السيارة وركضاً خلفها في لحظة محاولة الهرب، مع ظهور شخص يبرز بطاقة تحقيق شخصية مصرية أمام الكاميرا وسط حالة من الارتباك والصياح، من دون أن يحدد النص عدد المصابين أو درجة خطورة الإصابات، مكتفياً بتأكيد نقل المصابين إلى المستشفى، والتحفظ على السائق والسيارة.

 

تباين في عدد المصابين وتفاصيل مسار السيارة والملصق

 

روايات المواقع الإخبارية المفتوحة على الويب تضيف طبقات مختلفة من التفاصيل؛ فـ"اليوم السابع" يقدم صياغة أكثر تحديداً لعدد الإصابات، إذ يتحدث عن مشادة بدأت بعد ملاحظة وجود ملصق على شكل علم إسرائيل أو نجمة داود على زجاج السيارة، تلتها محاولة من السائق للهرب بسيارته، ما أدى إلى اصطدامه بعدة سيارات متوقفة وإصابة 3 أشخاص بإصابات توصف بأنها بين المتوسطة والطفيفة، قبل أن تتمكن الشرطة من ضبطه وإخطار النيابة لبدء التحقيقات.

 

في المقابل، تحافظ منصات أخرى على تعبيرات عامة مثل "دهس عدد من المواطنين"، ما يترك هامشاً لتضخيم حجم الحادث أو تقليله بحسب زاوية كل وسيلة، خاصة في ظل اعتماد جزء كبير من التغطية على مقاطع قصيرة متداولة لا توثق مسار السيارة كاملاً منذ بداية المشادة وحتى لحظة إيقافها.

 

"المصري اليوم" – بحسب ملخصات التغطية المتداولة – يضيف تفاصيل عن هوية السائق المزعومة، فيشير إلى أنه مهندس زراعي يبلغ من العمر 35 عاماً، وأن المقاطع المصورة أظهرت السيارة وهي تصطدم بعدد من السيارات وتحتك بالمارة، قبل أن يتجمع الناس حولها، مع نقل المصابين في سيارات إسعاف حضرت إلى المكان. كما ينقل عن السائق قوله في التحقيقات الأولية إنه "زعلان على الناس اللي خبطها"، وإنه لم يقصد إيذاء أحد، وهي صياغة تميل إلى تصوير ما جرى كحادث ناتج عن تهور أو ذعر، أكثر من كونه فعلاً متعمداً، من دون أن تحسم التغطية مسألة الدافع أو الغرض من وضع الملصق على الزجاج.

 

موقع "صدى البلد" يقترب في خطوطه العامة من هذه الرواية، لكنه يضيف سياقاً مختلفاً قليلاً لبداية المشكلة؛ إذ يشير إلى أن الخلاف بدأ بسبب ركن السيارة في مكان يرفضه بعض الأهالي، ثم تصاعد الأمر بعد ملاحظة وجود ملصق علم إسرائيل على الزجاج، ليتحول الخلاف إلى مطاردة قصيرة انتهت بإصابات وصفها الموقع بأنها "سحجات وكدمات وجروح طفيفة"، مع التأكيد على ضبط المتهم والتحفظ على السيارة. وتتقاطع تغطية أخرى منسوبة إلى مصراوي مع هذه التفاصيل عندما تتحدث عن العثور داخل السيارة على أوراق تخص نشاطاً يسمى "السياحة البديلة"، ما يفتح باباً لتأويلات متعددة حول خلفية السائق، لكنها تبقى، حتى الآن، معلومات أولية غير مدعومة ببيان تفصيلي صادر عن جهة التحقيق.

 

استفزاز سياسي في شارع مزدحم وأسئلة عن حماية المارة

 

رغم أن التحقيقات الرسمية لا تزال في مراحلها الأولى، يتوقف حقوقيون مستقلون أمام رمزية أن تحمل سيارة داخل حي شعبي ملصقاً على شكل علم إسرائيل أو نجمة داود، في لحظة إقليمية تتسم بتصاعد الغضب من الحرب على غزة، حيث تحولت أعلام الاحتلال خلال السنوات الأخيرة إلى هدف مباشر للحرق والتمزيق في وقفات تضامنية ونقابية وجامعية متعددة.

 

في هذا السياق، يذكّر مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، حسام بهجت، في بيان ألقاه أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بأن مصر تمر "بأسوأ أزمة حقوقية في تاريخها الحديث"، وبأن ثقة المواطنين في مؤسسات إنفاذ القانون متآكلة نتيجة طريقة التعامل مع الانتهاكات المتكررة. هذا المناخ يجعل أي حادث يحمل بعداً سياسياً، ولو عبر ملصق صغير على زجاج سيارة، قابلاً للاشتعال سريعاً في الشارع عندما يشعر الناس بأن أدوات الاحتجاج العلني والقانوني شبه مغلقة.

 

أحمد مفرح، المدير التنفيذي لمؤسسة "كوميتي فور جستس"، يشير في مقالاته ومداخلاته أمام الآليات الإقليمية إلى أن "القمع السياسي في مصر مستمر بلا توقف"، وأن السلطات توسع استخدام قوانين مكافحة الإرهاب وأدوات الضبط الأمني لإسكات الأصوات المنتقدة. ومع أن حادث كرداسة حادث مروري في ظاهره، فإن وجود ملصق يحمل رمزاً مرتبطاً بدولة تُتهم دولياً بارتكاب جرائم حرب في غزة، في ظل غياب مساحة احتجاج مستقرة ومنظمة داخل مصر، يجعل الانفجار العفوي للغضب مفهوماً، خصوصاً عندما يرى الناس أن حماية كرامتهم ورموزهم لا تأتي من مؤسسات الدولة بقدر ما تأتي من تحركهم المباشر في الشارع.

 

خبراء حقوقيون: غياب الشفافية يغذي الغضب ويمحو الثقة

 

محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الذي يخضع أصلاً لحظر سفر بسبب نشاطه الحقوقي، يحذر منذ سنوات من أن إغلاق المجال العام وملاحقة النشطاء يدفعان المجتمع إلى أنماط عشوائية من رد الفعل، حيث يتحول المواطنون في كثير من الحالات إلى من يقوم بدور الضبط المباشر، كما حدث عندما طارد أهالي كرداسة السيارة وسيطروا عليها بأنفسهم قبل وصول الشرطة. ويرى مراقبون أن هذا النمط يحمل في طياته مخاطر مضاعفة؛ فمن ناحية يمكن أن ينقذ أرواحاً في لحظة محددة، لكنه، من ناحية أخرى، يخلق إحساساً دائماً بأن المؤسسات ليست جديرة بالثقة، أو غير سريعة بما يكفي لحماية الناس، ما يغذي فكرة "القصاص الشعبي" على حساب مسار العدالة القانوني.

 

الحقوقي نجاد البرعي، المعروف بعمله على مشروع قانون شامل لمكافحة التعذيب في مصر، يكرر في أكثر من مناسبة أن المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب الإرادة السياسية لمحاسبة الجناة أياً كانت مواقعهم. ومن هذا المنظور، يشير حقوقيون إلى أن التعامل مع حادث سيارة تحمل ملصق علم إسرائيل وتدهس 3 مواطنين في كرداسة سيكون اختباراً جديداً لمدى استعداد السلطات لعرض التحقيق بشفافية، ونشر تفاصيل عن هوية السائق، وخلفية وضع الملصق، ونتائج الفحص الفني لمسار السيارة، وحالة المصابين، بدلاً من الاكتفاء ببيانات مقتضبة تُترك بعدها الساحة لروايات متضاربة على فيسبوك وتطبيقات التراسل.

 

في المحصلة، تتقاطع الروايات على فيسبوك مع ما نشرته مواقع مثل مصراوي واليوم السابع والمصري اليوم وصدى البلد في رسم صورة أولية لواقعة واحدة: ملصق يحمل علم إسرائيل يستفز المارة، مشادة تتصاعد بسرعة، محاولة فرار بسيارة تصطدم بالمواطنين والسيارات، ثم ضبط السائق وتسليمه للشرطة، مع اختلاف في عدد المصابين وتوصيف الإصابات ودقة الحديث عن الدافع. ما يطلبه خبراء حقوقيون ومراقبون مستقلون الآن ليس فقط تحديد ما إذا كان السائق مخطئاً أم متعمداً، بل ضمان مسار تحقيق واضح وعلني يحترم حق المصابين في المعرفة والإنصاف، ويمنع تكرار حادث يمكن أن يتحول، في أي لحظة، من ملصق مستفز على زجاج سيارة إلى شرارة جديدة لفقدان الثقة في معنى الأمان في الشارع المصري.