قالت الدكتورة نازك أبو زيد، رئيسة مكتب أطباء السودان، إن الواقع الإنساني في السودان “تجاوز مرحلة المجاعة إلى ما الإبادة” في ظل ما يتعرض له المدنيون من أشكال عنف متعددة خلال الحرب. وجاءت تصريحاتها في مداخلة تلفزيونية عبر قناة «القاهرة الإخبارية»، وسط تحذير من أن المساعدات المتاحة أقل بكثير من حجم الاحتياج الفعلي على الأرض.
من المجاعة إلى «الإبادة»
أبو زيد وصفت المشهد بأنه لم يعد مجرد نقص غذاء أو تدهور خدمات، بل انتقال إلى مستوى أخطر تقاس فيه الكارثة بقدرة العنف على محاصرة المدنيين داخل دائرة استهداف مستمر. العبارة التي استخدمتها، “ما الإبادة”، تعكس وفق حديثها أن الحرب لم تترك مساحة آمنة للفئات الأضعف، وأن المدنيين يدفعون ثمنًا مركبًا بين الرصاص والجوع والمرض.
في المداخلة نفسها، أكدت أن المنظمات الدولية تقدم مساعدات “محدودة للغاية”، وأن محدوديتها ليست مرتبطة فقط بحجم التمويل، بل بتعثر الوصول. هذا التوصيف يضع الأزمة في خانة “القدرة على النفاذ”، أي أن وجود الإمداد من عدمه لا يحسم وحده مصير المحتاجين إذا كانت الطرق مهددة والبيئة الأمنية غير مستقرة.
حديث أبو زيد لا يقدم أرقامًا تفصيلية عن أعداد المتضررين داخل كل ولاية، لكنه يركز على طبيعة العنف بوصفها عنصرًا مُنتجًا للأزمة الإنسانية لا مجرد نتيجة لها. وفي هذا السياق، يصبح توصيف “الإبادة” رسالة سياسية وإنسانية موجهة للداخل والخارج في وقت واحد: الداخل الذي يواجه القتل، والخارج الذي يراقب تمويلًا لا يغطي الحد الأدنى.
إغاثة تحت النار
بحسب أبو زيد، من أبرز الصعوبات المحلية التي تعترض عمل المنظمات الإنسانية استهداف القوافل الإغاثية من قبل قوات الدعم السريع. ولم تقتصر روايتها على “تعطيل” القوافل، بل تحدثت عن مصادرة المساعدات أحيانًا، وحرقها في أحيان أخرى، بما يعني أن الأزمة ليست فقط تأخير وصول الغذاء والدواء، بل تدميرهما عمدًا قبل وصولهما إلى المستحقين.
التفاصيل التي قدمتها تربط بين تعطيل الإغاثة واتساع دائرة الاحتياج، لأن أي قافلة تُستهدف تساوي عمليًا أيامًا إضافية من الجوع وانعدام الدواء. ومع تكرار حوادث المنع والمصادرة والحرق، تتحول مهمة الإغاثة إلى اختبار بقاء يومي للعاملين في المجال الإنساني، وللمدنيين الذين ينتظرون وصول الحد الأدنى من الإمدادات.
أبو زيد أضافت أن حالة عدم الاستقرار الأمني تمثل عائقًا رئيسيًا أمام تنفيذ العمليات الإنسانية “بشكل فعّال”. هذه الجملة تلخص واقعًا مألوفًا في الحروب الأهلية: المنظمات قد تمتلك خططًا ومسارات ونقاط توزيع، لكنها لا تمتلك ضمانات المرور ولا القدرة على حماية القوافل من الاستهداف، ما يجعل كل عملية توزيع مشروع مخاطرة.
وبينما ركزت أبو زيد على اتهام الدعم السريع باستهداف القوافل، فإن وقائع سابقة أظهرت اتهامات متبادلة بشأن حوادث احتراق شاحنات إغاثة في دارفور، بما يوضح أن المساعدات صارت نفسها ساحة اشتباك سياسي وعسكري. هذا المناخ يضاعف معاناة المدنيين، لأن النتيجة النهائية واحدة في كل مرة: إمدادات أقل، ووصول أبطأ، ومجتمعات محاصرة بلا حماية.
تمويل ناقص ومؤتمرات لا تكفي
على مستوى التمويل، قالت أبو زيد إن هناك نقصًا حادًا في التمويل المخصص للعمل الإنساني في السودان. ولفتت إلى أن برنامج الغذاء العالمي أعلن في أكتوبر- الماضي تقليص تمويله للسودان بنسبة 50% في المناطق التي تعاني من الجوع، و70% في المناطق التي تشهد مجاعة. إدراج هذه النسب يوضح أن “الخفض” لم يكن عامًا فقط، بل أعمق في المناطق الأشد تضررًا.
ثم انتقلت أبو زيد إلى تقييم مسار المؤتمرات الدولية، وقالت إن مؤتمر واشنطن الأخير للمانحين والمؤتمرات التي سبقته لم تنجح في جمع سوى أقل من 30% من المبالغ المحددة في الخطط الاستراتيجية لدعم السودان. هذا الرقم لا يعني مجرد فجوة تمويلية عادية، بل يعني أن خطط الاستجابة نفسها تُدار بثلث احتياجاتها أو أقل، وهو ما يفسر استمرار وصف المساعدات بأنها “محدودة للغاية”.
وأكدت أبو زيد أن التمويل المتاح لا يكفي لمواجهة حجم الأزمة أو تلبية احتياجات المواطنين. في المحصلة، الصورة التي ترسمها تصريحاتها هي أزمة مركبة: حرب ترفع مستوى العنف ضد المدنيين، وإغاثة تتعطل بالاستهداف والمصادرة والحرق، وتمويل دولي لا يقترب من الحد الأدنى المخطط له، ما يترك السودان على حافة كارثة ممتدة بلا سقف زمني واضح

