أظهر التقديم المحدود على وحدات السكن البديل لمستأجري الإيجار القديم فجوة واضحة بين ما تستهدفه الحكومة من برنامجها الجديد وما يشعر به السكان على الأرض، إذ لم يتقدم سوى نحو 70 ألف شخص حتى الآن، رغم أن القانون الجديد لتعديلات الإيجار القديم الصادر في 2025 يمس أكثر من 3 ملايين شقة، ويهدد أكثر من 1.5 مليون أسرة تمثل حوالي 6.5% من السكان بالإخلاء خلال فترة انتقالية محددة.

 

غموض الشروط يحد من الإقبال رغم التهديد بالإخلاء

 

منذ أكتوبر الماضي أطلقت الحكومة خدمة التقديم على الوحدات البديلة لمدة 3 أشهر عبر مكاتب البريد أو استمارة إلكترونية على منصة مصر الرقمية، ثم مددت المهلة 3 أشهر إضافية تنتهي في أبريل المقبل، لكن عدد المتقدمين توقف عند 70 ألف شخص فقط، وفق تصريحات الرئيسة التنفيذية لصندوق الإسكان الاجتماعي مي عبد الحميد، وهو رقم محدود إذا ما قورن بتعداد الوحدات الخاضعة للنظام القديم التي بلغت في تعداد 2017 نحو 3 ملايين وحدة، بينها 1.88 مليون للسكن و575 ألفًا لغير السكن، إضافة إلى 240 ألف وحدة تستفيد منها أسر تمتلك أكثر من مسكن و506 آلاف وحدة مغلقة لأسباب مختلفة.

 

خمسة من سكان القاهرة الكبرى عبّروا عن قلق واضح من التقديم على السكن البديل بسبب غياب التفاصيل، إذ يقول محمد عبد السلام من شبرا إنه لا يعرف حتى الآن نوع الوحدة البديلة، ولا ما إذا كانت بالإيجار أو التمليك، ولا حجم الالتزامات المالية المتوقعة، ما يجعله أقرب إلى الانتظار حتى تعلن الحكومة نظامًا محددًا، بينما يخشى حسن علي، وهو موظف بالمعاش يقيم في بولاق الدكرور، من أن يقوده أي نظام جديد لزيادات كبيرة في الإيجار أو مقدمات مرتفعة إلى مأزق مالي لا يستطيع الخروج منه في ظل دخله الثابت المحدود.

 

المحامي طارق نجيدة، الخبير الدستوري، يشير في تعليقه السابق على ملف الإيجار القديم إلى أن هذه القضية لها أبعاد اجتماعية وثقافية وإنسانية واقتصادية متداخلة، ويشدد على أن أي تغيير في المنظومة يجب أن يراعي هذه الأبعاد مجتمعة حتى لا يتحول إصلاح العلاقة الإيجارية إلى مصدر اضطراب اجتماعي جديد، وهو ما ينعكس هنا في تردد المستأجرين عن التقديم على البدائل قبل معرفة شروطها الكاملة ومدى ملاءمتها لظروفهم.

 

السكن البديل بين نصوص القانون ومخاوف فقدان الاستقرار

 

من جهة أخرى، يضيف محمود فؤاد من السيدة زينب بعدًا مختلفًا للمخاوف، إذ لا تتوقف هواجسه عند التكاليف فقط، بل تمتد إلى احتمال نقله إلى مدن جديدة بعيدة عن محل عمله ومدارس أبنائه، حتى مع تأكيدات رسمية بأن الوحدات البديلة ستكون داخل نفس المحافظة ولنفس الغرض والنشاط، مشيرًا إلى أن ارتباطه اليومي بالخدمات وشبكة العلاقات الاجتماعية في منطقته يجعل قرار الانتقال شديد الصعوبة، بينما تخشى فاطمة عبد الرحمن في حدائق القبة أن يُعتبر مجرد التسجيل موافقة ضمنية على ترك شقتها الحالية، ويختار أحمد البدري في العبور الترقب وعدم التقديم حاليًا بسبب ما يراه غموضًا في ملف السكن البديل ومخاطر محتملة على استقراره السكني.

 

القانون الجديد للإيجار القديم، الذي صدّق عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في أغسطس 2025، ينص على فترة انتقالية مدتها 7 سنوات تنتهي بعدها العلاقة الإيجارية في الوحدات السكنية للأشخاص الطبيعيين، و5 سنوات للوحدات غير السكنية، مع إلزام المستأجر بإخلاء العين المؤجرة وردها للمالك بنهاية هذه المدد، كما يُلزم الحكومة بتوفير بدائل سكنية للمستأجر الأصلي وزوجه أو زوجته قبل عام على الأقل من انتهاء الفترة الانتقالية، وهو ما يجعل برنامج السكن البديل أداة أساسية في تنفيذ هذه الالتزامات.

 

المحامي خالد علي، المعروف بدفاعه عن الحقوق الاجتماعية، يرى أن الإصرار على إنهاء ملف الإيجار القديم في هذا التوقيت يعكس انحيازًا لمصالح طبقات أقوى اقتصاديًا على حساب الأسر محدودة الدخل، ويشير في تحليله للملف إلى أن كثيرًا من وحدات الإيجار القديم تحولت في نظر الدولة إلى مصدر محتمل لمليارات الجنيهات بمجرد إخراج المستأجرين منها، محذرًا من أن التعامل مع هذه الوحدات باعتبارها موردًا ماليًا بحتًا يتجاهل كونها مسكنًا مستقرًا لملايين المواطنين منذ عقود.

 

في المقابل، يوضح مصدر مطلع على ملف الإيجار القديم بوزارة الإسكان أن استمارة التقديم عبر الإنترنت أو مكاتب البريد تتضمن أسئلة عن الوضع المالي للمتقدم، والأماكن التي يرغب في السكن فيها، ونوع الوحدة المطلوبة سواء تمليك أو إيجار، ويبرر ربط تحديد الدعم بجمع البيانات بقوله إن أوضاع مستأجري الإيجار القديم المالية متباينة، وبالتالي فإن منح نفس مستوى الدعم أو نفس نوع الوحدات لجميع المتقدمين لن يكون عادلًا، كما يشير إلى أن الفئات العمرية المختلفة، خصوصًا كبار السن، تحتاج إلى أولوية في الحصول على وحدات قريبة من مناطق سكنها الحالية، ما يستدعي انتظار انتهاء فترة التقديم كاملة ثم إجراء حصر شامل للأعداد وخرائط الطلب قبل تحديد أولويات التخصيص.

 

تصنيف المناطق وقفزات الإيجار بين معايير القانون وواقع الأحياء

 

إلى جانب ملف السكن البديل، يواجه المستأجرون تحديات إضافية مرتبطة بآلية تنفيذ القانون نفسه، إذ أصدر رئيس الوزراء في أغسطس الماضي قرارًا بتشكيل لجان حصر في المحافظات لتصنيف المناطق التي تضم وحدات إيجار قديم إلى فئات متميزة ومتوسطة واقتصادية، على أن ترتبط القيمة الإيجارية الجديدة بهذه الفئات، بحيث ترتفع الأجرة إلى 20 ضعفًا في المناطق المتميزة و10 أضعاف في المتوسطة والاقتصادية، مع وضع حد أدنى مالي للأجرة، وهي آلية تؤكد تقارير صحفية أنها ستقود إلى قفزات كبيرة في الإيجارات الشهرية مقارنة بالمستويات الحالية، حتى قبل الوصول إلى نهاية الفترات الانتقالية.

 

آخر قرارات محافظ القاهرة بتقسيم المناطق التي تضم وحدات إيجار قديم أوقع أكثر من ثلثي العقارات في مناطق غير متميزة، لكن الحصر صنّف شوارع في أحياء راقية مثل الزمالك وجاردن سيتي ومصر الجديدة كمناطق متوسطة، من بينها شوارع أحمد باشا وكامل الشناوي في جاردن سيتي، ومنطقة عمر الخيام وشوارع جامع محب وزكي علي وعمارة اليمن وأحمد الكاشف وابن الميسر بالزمالك، إضافة إلى شوارع جانبية في وسط البلد مثل الشواربي وحارة معروف وعطفة خضر سليمان، بينما سبقت محافظة الجيزة إلى تصنيف مناطق كثيفة بالسكان مثل معظم أنحاء العمرانية وبولاق الدكرور والطالبية وساقية مكي وبعض أحياء إمبابة كمناطق متوسطة أيضًا، بما يعني أنها ستعامل عند احتساب القيمة الإيجارية معاملة شبيهة بمناطق متوسطة في جاردن سيتي والزمالك ومصر الجديدة.

 

المحامي إبراهيم عبد العزيز سعودي يحذر من أن أي تصنيف لا يراعي بدقة الفروق الواقعية بين الأحياء ومستويات الدخل والخدمات قد يخلق أزمة دستورية جديدة، خاصة بعد حكم المحكمة الدستورية في نوفمبر 2024 بعدم دستورية تثبيت الأجرة للمساكن، إذ يؤكد أن الحكم وإن أنصف الملاك من زاوية معينة، فإنه ألزم المشرّع بوضع معايير عادلة وشفافة لتحديد الأجرة، تراعي موقع الوحدة وطبيعة البناء ومستوى الخدمات، وهو ما يجعل دقة عمل لجان الحصر شرطًا أساسيًا لتفادي موجة طعون قضائية أوسع من المستأجرين أو الملاك معًا.

 

في المسار نفسه، انتقل الجدل حول العدالة في تطبيق القانون إلى ساحات القضاء، حيث أقام المحامي أحمد الدربي دعوى أمام محكمة القضاء الإداري يطعن فيها على القانون رقم 164 لسنة 2025 بدعوى مخالفته لمبادئ المساواة والحق في السكن، وطالب فيها بوقف تنفيذ النصوص التي تنهي عقود الإيجار السكني بعد 7 سنوات، محذرًا من أن التطبيق الصارم لهذه المدة قد يؤدي إلى طرد آلاف الأسر من مساكنها دون توفير بدائل مناسبة أو حماية كافية للمستأجرين القدامى، وهو ما يعتبره تعارضًا مباشرًا مع التزامات الدولة الدستورية تجاه الحق في مسكن لائق وآمن.

 

في ضوء هذه التعقيدات، يرى محامون وخبراء قانونيون أن ضعف الإقبال على بديل الإيجار القديم لا يمكن قراءته فقط باعتباره عزوفًا عن الاستفادة من فرصة حكومية، بل كإشارة إلى فجوة ثقة واسعة بين السكان والمنظومة الجديدة، إذ تظل صورة القانون لدى كثير من المستأجرين مرتبطة باحتمال فقدان السكن المستقر وارتفاع الأعباء المالية، بينما ترتكز الرؤية الرسمية على أولوية “تصحيح العلاقة الإيجارية” وتحسين كفاءة استغلال الأصول، وما لم تنجح الدولة في توضيح شروط السكن البديل وضماناته، وربط مسارات التنفيذ فعليًا بالحق في السكن الذي يكفله الدستور، يبقى مرجحًا استمرار هذا التردد، وتزايد اعتماد الأسر على الانتظار بدل الدخول في ترتيبات غير واضحة لمستقبلها السكني.