أعاد غرق مركب هجرة غير شرعية في البحر المتوسط، كان على متنه 50 مهاجرًا بينهم 21 مصريًا، وأسفر عن مصرع 3 وفقدان 18 آخرين، فتح ملف الهجرة القسرية من مصر من زاوية مختلفة؛ فبينما تؤكد الخارجية المصرية متابعتها للحادث ونداءها المعتاد بعدم الانجراف وراء “عصابات الهجرة”، يرى خبراء أن ما يدفع الشباب إلى “قوارب الموت” ليس الجهل بالمخاطر، بل انسداد الأفق الاقتصادى والاجتماعى فى الداخل، فى وقت يواصل فيه المتوسط التحول إلى مقبرة مفتوحة لحالمين بالنجاة.

 

البحر يبتلع الهاربين من الأزمة الاقتصادية

 

بحسب بيان وزارة الخارجية، وقع الحادث يوم 21 فبراير، وكان المركب متجهًا إلى السواحل اليونانية من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 مهاجرًا غير شرعي، بينهم 21 مصريًا، تأكد مصرع 3 منهم، فيما ما زال 18 فى عداد المفقودين، بينما تستمر عمليات البحث وانتشال الجثامين والتنسيق مع السلطات اليونانية لنقل الضحايا إلى مصر، مع إعلان السفارة فى أثينا استقبال أسر المفقودين لتسهيل الإجراءات وتقديم ما وصفته الوزارة بـ“الدعم اللازم”.

 

تأتى هذه الواقعة فى سياق عام شديد الدموية على طرق الهجرة عبر المتوسط؛ فبيانات المنظمة الدولية للهجرة تشير إلى أن أكثر من 600 شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا فى البحر المتوسط منذ بداية 2026، فى بداية تُوصف بأنها “الأكثر فتكًا” منذ بدأ رصد هذه البيانات عام 2014، مع استمرار حوادث الغرق قبالة سواحل ليبيا واليونان وإيطاليا، وتأكيد تقارير أممية أن سياسات الردع الحالية لم تمنع الرحلات الخطرة، بل زادت كلفتها البشرية.

 

يؤكد الدكتور أيمن زهري، خبير دراسات الهجرة ورئيس الجمعية المصرية لدراسات الهجرة، فى أبحاثه حول الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، أن جزءًا كبيرًا من المهاجرين المصريين عبر المتوسط ينطلق حاليًا من دول مجاورة وليس من الشواطئ المصرية مباشرة، وأن الدوافع الأساسية تبقى اقتصادية واجتماعية، مع تزايد دور شبكات التهريب التى تستغل اليأس وغياب البدائل القانونية، فى ظل مخاطر موثقة لطريق المتوسط الأوسط باعتباره أخطر مسارات الهجرة فى العالم.

 

ورغم أن الخارجية المصرية شددت فى بيانها على خطورة الاعتماد على “قوارب متهالكة” وتوصيلات غير آمنة، فإن شهادات منظمات إغاثة دولية توضح أن معظم هذه القوارب تُحمَّل بأضعاف طاقتها الاستيعابية، وتبحر بلا تجهيزات سلامة ولا سترات نجاة كافية، ما يجعل أى اضطراب جوى أو عطل بسيط كفيلًا بتحويلها إلى “توابيت عائمة”، بينما تبقى عمليات البحث والإنقاذ محدودة القدرات ومقيدة بالسياسات الأوروبية الرامية إلى تقليل أعداد الواصلين بدل حماية أرواحهم.

 

فقر وبطالة تدفع الشباب إلى قوارب الموت

 

فى خلفية الحادث تبرز أرقام مقلقة حول تصاعد الهجرة المصرية نحو أوروبا؛ فبحسب تقارير حديثة، أصبح المصريون منذ 2022 الجنسية الإفريقية الأولى من حيث أعداد الواصلين إلى أوروبا، بأكثر من 22 ألف وصول فى عام واحد، مع تسجيل أكثر من 16 ألف عبور غير نظامى جديد فى 2025، معظمها انطلاقًا من ليبيا باتجاه إيطاليا واليونان، فى ظل اقتصاد متعثر، وانهيار متكرر لقيمة العملة المحلية، وارتفاع نسب التضخم، ما دفع أكثر من ثلث السكان تحت خط الفقر.

 

يربط الدكتور عمرو عدلى، أستاذ الاقتصاد السياسى بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بين موجات الهجرة هذه وبين ما يسميه فى دراساته “فشل صناعة السوق” فى مصر؛ حيث أدت سياسات تراكم الديون، والإنفاق على مشروعات ضخمة منخفضة العائد، واضطراب بيئة الاستثمار، إلى خلق اقتصاد يعجز عن توليد فرص عمل كافية، خصوصًا للشباب، ما يترجم نفسه فى صورة نزيف بشرى مستمر نحو الخارج، عبر قنوات شرعية وغير شرعية معًا.

 

فى هذا السياق، يبدو نداء الخارجية للمواطنين بعدم الانجراف وراء عصابات الهجرة غير الشرعية منفصلًا عن واقع من يعيشون بلا أفق مهنى أو اجتماعى؛ فالمهاجرون يدفعون مبالغ كبيرة لما أصبح يُعرف شعبيًا بـ“تذكرة قارب الموت”، وهم على وعى نسبي بالمخاطر، لكنهم يقارنون بين مستقبل من البطالة أو الأجور الهزيلة فى الداخل، وبين احتمال النجاة والوصول إلى أوروبا، حيث العمل حتى دون أوراق رسمية يمنحهم، فى تقديرهم، فرصة حياة أقل سوءًا من بقائهم.

 

فى الوقت نفسه، تواصل الحكومة التباهى بما تسميه “نجاحًا كاملاً” فى منع خروج أى مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية منذ 2016، وهى رواية تتبناها أيضًا تصريحات أوروبية رسمية، وتفسر جزئيًا تدفق الدعم المالى الأوروبى للقاهرة نظير دورها كحارس حدود جنوبى للاتحاد الأوروبى، بينما تتجاهل أن آلاف المصريين باتوا يسلكون طرقًا أطول وأكثر خطورة عبر ليبيا وتركيا ودول أخرى، وأن المنع الأمنى من الشواطئ لا يلغى دوافع الهجرة بل يضاعف كلفتها.

 

تحذيرات رسمية لا تجيب عن سؤال المسؤولية

 

تركز رواية وزارة الخارجية على متابعة الإجراءات الإدارية لنقل الجثامين، واستقبال أسر الضحايا فى السفارة المصرية بأثينا، والتنسيق مع السلطات اليونانية لعمليات البحث، إلى جانب التحذير من عصابات التهريب، دون أى إشارة إلى مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية التى تجعل ركوب هذه القوارب خيارًا مقبولًا لدى شباب فى العشرينات والثلاثينات، أو إلى تقييم فعلى لمصير برامج “بدائل الهجرة” المعلن عنها منذ سنوات.

 

يرى المحامى الحقوقى أحمد راغب، الذى اشتبك لسنوات مع ملفات حقوق الإنسان والتهجير القسرى، أن واجب الدولة لا يتوقف عند “النصح بعدم المخاطرة”، بل يشمل التزامًا مضاعفًا بحماية مواطنيها داخل البلاد وخارجها، عبر خلق بيئة تحترم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعبر منظومة شفافة للبحث والإنقاذ والتحقيق فى حوادث الغرق، تُمكِّن الأسر من معرفة حقيقة ما جرى وأين تقف المسؤولية، بدل الاكتفاء ببيانات مقتضبة وتكرار خطاب التجريم الفردى.

 

وتشير حوادث سابقة لغرق مراكب تقل مصريين قبالة السواحل اليونانية والليبية، سقط فيها عشرات القتلى والمفقودين خلال 2025 وحدها، إلى نمط متكرر من بطء الاستجابة الرسمية، وصعوبة حصول العائلات على معلومات موثوقة، مقابل اهتمام أكبر بصياغة الرسالة السياسية عن “نجاح مصر فى منع الإبحار من سواحلها”، ما يوسع الفجوة بين الخطاب الرسمى وتجربة الأسر التى تستقبل أبناءها فى توابيت أو لا تستقبلهم أصلًا.

 

وفى خلفية المشهد، يستمر البحر المتوسط فى ابتلاع مزيد من الهاربين من الفقر والقمع وانعدام الأفق، بينما يكتفى المسؤولون فى القاهرة والعواصم الأوروبية بتبادل رسائل “التنسيق لمكافحة الهجرة غير الشرعية”، وفق وصف مراقبين، من دون الاقتراب الجاد من جذور المشكلة: اقتصاد خانق لا ينتج حياة كريمة لمواطنيه، ونظام إقليمى يغلق الأبواب القانونية أمام الحركة، فيدفع المضطرين إلى الطرق الأخطر، حيث يتحول حلم النجاة إلى خبر عاجل بعنوان: “مصرع 3 مصريين هربوا من الفقر والجوع فى قارب موت جديد بالمتوسط”.