أطلق الكاتب الصحفي مجدي الجلاد صرخة لافتة وهو يعلن على الهواء أن حلمه قبل وفاته أن يمارس «ساعتين من الصحافة بحرية كما في الخارج»، خلال حواره مع الإعلامية أسما إبراهيم في برنامج «حبر سري» على قناة «القاهرة والناس»، مؤكدًا أن الصحافة والإعلام في مصر بحاجة إلى مساحة أوسع من الحرية حتى يستطيع الصحفيون أداء دورهم وتعليم الأجيال الجديدة مهنة حقيقية لا نسخة مشوهة من العمل الصحفي.
حلم ساعتين من الصحافة الحرة يكشف حجم القيود
الجلاد قال بوضوح إنه يتمنى العمل في بيئة حرة، وإن حلمه البسيط هو ممارسة الصحافة لساعتين فقط بلا قيود، مشيرًا إلى أن ما يواجهه الصحفي المصري اليوم ليس مجرد تنظيم أو ضبط للمهنة، بل منظومة من القيود المتشابكة تجعل العمل اليومي أقرب إلى إدارة علاقات عامة منه إلى صحافة مستقلة، وأن هذه القيود تحرمه من أداء دوره الكامل وتمنع الأجيال الجديدة من رؤية نموذج حقيقي للصحافة كما تُمارس في الخارج.
في اللقاء نفسه، شدد الجلاد على أن الصحافة والإعلام يحتاجان إلى مساحة أوسع من الحرية لضمان قيام الصحفيين بدورهم، موضحًا أن القيود المتزايدة باتت «تخنقه» ولا تترك له مجالًا حقيقيًا للاجتهاد أو التحقيق أو النقد، وأن الصحفي الشاب يتعلم الآن كيف يتجنب الخطوط الحمراء أكثر مما يتعلم معايير المهنة، في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى استمرار حبس صحفيين وفتح قضايا جنائية مرتبطة بالنشر، بما يعمق فجوة بين الخطاب الرسمي عن «حرية مسؤولة» والواقع العملي في غرف الأخبار.
بين الضوابط المهنية وواقع القمع اليومي
الجلاد أوضح أن الصحافة لا تحتاج إلى شبكة معقدة من القيود، وأن الالتزام بالضوابط المهنية ومواثيق الشرف الصحفي يكفي كإطار منظم، مؤكدًا أن الحرية الحقيقية لا تعني الفوضى، بل ترتبط بمسؤولية تجاه المجتمع ومراعاة قضايا مثل الأمن القومي، وعدم التحريض الطائفي، واحترام الحياة الخاصة، لكنه انتقد أن تتحول هذه العناوين العامة إلى مبرر جاهز لتقييد النشر وملاحقة الأصوات المستقلة واستخدام القوانين الفضفاضة ضد الصحفيين في كل انتقاد أو كشف للقصور.
في خلفية هذا الحديث، ترصد منظمات دولية ومصرية استمرار نمط «القمع اليومي» للصحافة؛ فمراسلون بلا حدود تصنف مصر ضمن الدول ذات الوضع «الخطير جدًا» لحرية الصحافة، مع استمرار المداهمات وإغلاق غرف الأخبار والاحتجاز التعسفي والأحكام على خلفية النشر، بينما تشير تقارير إلى أن البلاد تحتل المركز 170 من 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، ما يعكس بيئة عمل تجعل تصريحًا مثل «أحلم بساعتين من الصحافة بحرية» تعبيرًا عن أزمة بنيوية وليست شكوى فردية.
هذه الصورة يكمّلها ما تتعرض له منصات مستقلة مثل «مدى مصر»، حيث تواجه رئيسة التحرير لينا عطاالله استدعاءات متكررة أمام نيابة أمن الدولة في قضايا مرتبطة بمواد صحفية، بحسب بيانات مشتركة لمنظمات حقوقية، التي تحدثت عن نمط متكرر من الملاحقات القضائية والتهديد بحجب المواقع واستخدام قوانين الإرهاب في ملفات نشر، ما يجعل فكرة «حرية الصحافة في إطار الضوابط المهنية» بعيدة عن التطبيق اليومي رغم ترديدها رسميًا.
أصوات صحفية: مهنة محاصرة وقوانين تخنق المجال العام
شهادات صحفيين بارزين تعزز القراءة الناقدة لكلام الجلاد؛ فخالد البلشي، نقيب الصحفيين الحالي، أكد في أكثر من مناسبة أن حرية الصحافة في تاريخ مصر «لم تتحقق بصورة كاملة في أي مرحلة»، موضحًا أن الحرية لا تعني فقط السماح بالكلام، بل منظومة من القوانين والضمانات تحمي استقلال الصحفي وحقه في الوصول إلى المعلومات، ومشيرًا إلى مخاوف من استمرار حبس صحفيين وحجب مواقع، ما يجعله يتحدث صراحة عن أن سقف الحريات الراهن لا يواكب حتى النصوص الدستورية.
على مستوى الصحافة المستقلة، تمثل تجربة لينا عطاالله نموذجًا مباشرًا لأزمة حرية الصحافة؛ فبيانات منظمات حقوقية تشير إلى استهداف أمني وقضائي متكرر لـ«مدى مصر» وصحفييه، واستدعاءات لرئيسة التحرير على خلفية تحقيقات صحفية تتناول أوضاع السجون أو قضايا الفساد، مع استمرار حجب الموقع داخل مصر، وهو ما اعتبرته منظمات دولية «تصعيدًا في القمع ضد الصحافة المستقلة»، ودليلًا على أن ممارسة الصحافة المهنية قد تقود صاحبها للتحقيق والسجن بدلًا من التكريم أو حتى الحماية القانونية.
الكاتب الصحفي وائل قنديل، الذي غادر العمل في الصحافة المصرية التقليدية إلى منصات عربية، وصف المشهد الإعلامي منذ سنوات بأنه يشهد «فاشية مستحكمة» عبر إعلام يحرض على المعارضين ويبرر القمع، معتبرًا أن الإعلام الذي كان يفترض أن يكون مساحة للنقد والتحقيق صار جزءًا من ماكينة تشويه وتعبئة ضد المختلفين، وهي قراءة تتقاطع مع تقارير مستقلة تتحدث عن تحول جزء كبير من الصحف والقنوات إلى صوت واحد يعكس رواية السلطة ويهمش أي وجهة نظر مغايرة.
في السياق نفسه، وثق الصحفي تامر هنداوي في تقرير بصحيفة «القدس العربي» استمرار اعتقال كتاب وصحفيين وقرارات تضييق على المحتوى والبرامج والإغلاق الإداري خلال عام واحد فقط، ناقلًا عن حملة «أنقذوا حرية الرأي» أن السلطات أعادت حملات القبض على صحفيين مع التضييق على المنابر القليلة المتبقية، في مشهد يختصر كيف يتحول العمل الصحفي في كثير من الحالات إلى مخاطرة قانونية وشخصية، لا إلى ممارسة مهنية محمية كما يفترض في أي دولة تعلن احترام حرية الإعلام.
أمام هذه الخلفية، تبدو كلمات مجدي الجلاد عن حلمه في «ساعتين من الصحافة بحرية» أكبر من مجرد جملة عابرة في برنامج حواري؛ فهي اعتراف من صحفي محسوب على التيار الرئيسي بأن سقف الحرية الراهن لا يسمح حتى بصياغة مهنية كاملة لمادة صحفية دون حسابات أمنية وقانونية، وأن الأجيال الجديدة تتشكل في مناخ يخشى الكلمة أكثر مما يضمن حقها، في بلد يُصنّف عالميًا ضمن أسوأ 15 دولة في مؤشرات حرية الصحافة، رغم كل الخطاب الرسمي عن «حرية مسؤولة» و«ضوابط مهنية» لا تجد طريقها الحقيقي إلى غرف الأخبار.

