في سجل الذاكرة الإسلامية، يبرز الثامن من رمضان بوصفه محطة فاصلة تكررت فيها لحظات التحول السياسي والعسكري والعلمي.

 

في هذا اليوم تداخلت معاني تثبيت الدولة، وبزوغ قوى جديدة، وترميم الهيبة، كما سُطِّرت صفحات مضيئة في مسار العلم والمعرفة.

 

من المدينة المنورة إلى الأناضول والأندلس، ومن ساحات القتال إلى حلقات الدرس، ظل هذا التاريخ شاهدًا على منعطفات صنعت أثرًا ممتدًا عبر القرون.

 

تبوك.. رسالة ردع بلا قتال

 

في الثامن من رمضان من السنة التاسعة للهجرة، عاد المسلمون إلى المدينة المنورة بعد غزوة تبوك، التي عُرفت في المصادر باسم غزوة العُسرة.

 

لم تقع مواجهة عسكرية مباشرة، لكن الرسالة السياسية والعسكرية كانت واضحة: الدولة الناشئة قادرة على التحرك لمسافات شاسعة لتأمين حدودها الشمالية في مواجهة النفوذ البيزنطي.

 

كانت الحملة بمثابة استعراض قوة وردعٍ استباقي، أظهرت تماسك الجبهة الداخلية، وأكدت أن المدينة لم تعد كيانًا محليًا محدود التأثير، بل دولة تمتلك زمام المبادرة وتتحرك وفق حسابات استراتيجية دقيقة.

 

وفي سياقٍ متصل، يستحضر المؤرخون في هذا اليوم مهمة الصحابي أبي قتادة الأنصاري إلى منطقة بطن إضم، في عملية تمويه عسكري هدفت إلى تشتيت أنظار قريش عن تحركات المسلمين قبيل فتح مكة.

تلك الخطوة عززت عنصر المفاجأة، ومهّدت لفتح مكة دون مواجهات واسعة، في نموذج مبكر لما يُعرف اليوم بإدارة العمليات النفسية والمناورة الاستراتيجية.

 

دندانكان.. ولادة الدولة السلجوقية

 

يمثل الثامن من رمضان علامة فارقة في تاريخ السلاجقة.

ففي عام 431هـ/1040م، انتصر طغرل بك على الغزنويين في معركة دندانكان، وهو الانتصار الذي نقل السلاجقة من طور القبائل المتنقلة إلى طور الدولة المنظمة ذات الطموح الإقليمي.

ذلك التحول لم يكن عسكريًا فحسب، بل سياسيًا أيضًا؛ إذ أتاح للسلاجقة لاحقًا بسط نفوذهم على خراسان والعراق، وترسيخ علاقتهم بالخلافة العباسية في بغداد، باعتبارهم القوة الحامية لها.

 

وفي الثامن من رمضان سنة 455هـ/1063م، توفي طغرل بك، ليصعد إلى الحكم ابن أخيه ألب أرسلان، الذي سيقود الدولة إلى ذروة مجدها.

في عهده جاءت معركة ملاذكرد الشهيرة، التي أعادت رسم موازين القوى في الأناضول، وفتحت الطريق أمام التمدد الإسلامي في آسيا الصغرى، في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية.