تطرح دراسة منشورة في دورية International Journal of Disaster Risk Reduction صورة خطر متعددة الفصول حول «سد السرج» المساعد للسد الرئيسي في مشروع سد النهضة، بمشاركة باحثين من مصر والصين والهند والولايات المتحدة ونيبال. أخطر ما في القصة ليس رقمًا منفردًا، بل نمط مؤشرات: تسرب واسع للمياه إلى باطن الأرض، هبوط وتشوه في جسم السد، ونشاط زلزالي غير طبيعي ارتبط بمرحلة الملء.

 

هذه النتائج تضع الحكومة الإثيوبية أمام سؤال سياسي-تقني لا يقبل التهرب: كيف تُدار منشأة عابرة للحدود بهذه الحساسية، بينما تُترك دول المصب والرأي العام أمام بيانات متفرقة، وطمأنة عامة، من دون كشفٍ كافٍ عن تقييم سلامة «السد الركامي» الذي يُمسك الجزء الأكبر من التخزين؟ وفي ملف بهذه الخطورة، يصبح الغموض سياسة، وتتحول “إدارة السد” إلى “إدارة مخاطر” على بشر وممتلكات خارج الحدود.

 

سد السرج: الحلقة التي لا يُسمح بانكسارها

 

«سد السرج» ليس تفصيلة هامشية. هو سد مساعد يُبنى بجوار السد الرئيسي وليس في مجرى النهر نفسه، ووظيفته منع مياه الخزان من التسرب عبر منخفضات طبيعية وممرات جانبية حول المنطقة. هذا الدور يجعله جزءًا من منطق المشروع كله: من دونه لا معنى للحديث عن خزان “مغلق” يمكن التحكم فيه بدقة على المدى الطويل.

 

وتذهب الدراسة، كما ورد في مواد عرضها باحثون مشاركون، إلى أن سد السرج يحتجز نحو 89% من السعة التخزينية الحية للخزان، وأنه عنصر حاسم في تحقيق السعة المستهدفة. وترد أرقام متداولة على نطاق واسع عن امتداده بطول 5 كيلومترات وارتفاع 50 مترًا، وعن أن الهدف التخزيني يصل إلى 74 مليار متر مكعب، وهي أرقام تُستخدم لتوضيح أن أي خلل فيه سيكون أكبر من مجرد “خلل هندسي” داخل دولة واحدة.

 

هنا يبدأ النقد السياسي المباشر للحكومة: عندما يكون الجزء الأخطر من المنظومة مبنيًا في بيئة جيولوجية “هشة” وفق وصف الدراسة، فإن إدارة المخاطر لا تكون عبر الخطاب، بل عبر الإفصاح. وما لا يُقال علنًا، أو لا يُشرح بلغة قابلة للتحقق، يخلق مساحة ذعر وشك لا تقل خطورة عن العيوب نفسها، لأن التخطيط للطوارئ يتطلب معلومة لا دعاية.

 

تسرب بالمليارات وزلازل على وقع الملء

 

اعتمد فريق الدراسة على أقمار صناعية تقيس تغيرات الجاذبية الأرضية مثل GRACE لبناء نموذج مائي يقارن بين ما يدخل الخزان وما يُفترض أن يبقى وما يختفي فعليًا. الفكرة العلمية بسيطة: الماء له كتلة، والكتلة تغيّر الجاذبية المحلية بشكل طفيف؛ لذا يمكن رصد “فقد” المياه عبر إشارات الجاذبية حين لا تتطابق الكتلة المرصودة مع المفترض بقاؤه على السطح.

 

وتنقل مواد عن الدراسة تقديرًا مثيرًا للقلق: تسرب يُقدر بنحو 41 ± 6.2 مليار متر مكعب من مياه الخزان إلى المياه الجوفية أثناء الملء، استنادًا إلى بيانات GRACE ونمذجة هيدرولوجية. خطورة هذا الرقم ليست في ضخامته فقط، بل في معناه البنيوي: مياه تُضغط بها صخور متشققة وضعيفة، فتتوسع مسارات التسرب بمرور الوقت، ويُعاد تشكيل التوازن الجيولوجي حول منشأة عملاقة.

 

في فصل الزلازل، تذهب الدراسة إلى “نشاط زلزالي غير طبيعي” مرتبط بفوالق قديمة ومناطق نشاط بركاني، مع تحليل إحصائي يربط حالة الملء بزيادة وتيرة الزلازل شهريًا. وتورد رواية الدراسة مثالًا محددًا: زلزال 8 مايو- 2023 بقوة 4.4 درجة وعلى بعد 110 كيلومترات من السد، وقع في منطقة لم تشهد زلازل منذ 150 عامًا، بوصفه الأقرب للارتباط المباشر بالسد عبر فوالق تعمل كمسارات لتسرب المياه إلى الأعماق.

 

المفارقة السياسية هنا فادحة: الحكومة التي تريد من دول المصب أن تتعامل مع السد كـ“مشروع تنمية” فقط، تُواجَه بنتائج تصفه كـ“مولد مخاطر” إذا غابت المراجعة الشفافة. والنتيجة أن أي أزمة لاحقة لن تُقرأ كحادث طبيعي، بل كمسؤولية سياسية عن إدارة منشأة أُقيمت في منطقة قابلة للاهتزاز، ثم مُلئت، بينما كانت الأسئلة تُؤجل.
 

 

هبوط وتشوه ومسارات تسرب: إنذار قبل الكارثة

 

لم تتوقف الدراسة عند الجاذبية والزلازل. استخدم الباحثون تقنية Persistent Scatterer Interferometry (PSI) لقياس الحركة بدقة ملليمترية عبر صور رادارية متكررة، ورصدت ما يصل إلى 40 ملليمترًا من الهبوط التفاضلي، وهو هبوط غير متساوٍ يمكن أن يفتح تشققات ويُسرّع الترشيح الداخلي. هذه ليست “ملاحظة هندسية” عادية؛ إنها إشارة مبكرة إلى تشوه في جسم سد ركامي يفترض أن يعمل كحاجز ثابت تحت ضغط مائي متزايد.

 

ثم يأتي فصل “مسارات التسرب”. وفق ما يرد في عرض الدراسة، استُخدمت أقمار مثل Sentinel-2 لرصد تغيّر رطوبة التربة والنبات عبر صور متعددة الأطياف، بما يكشف مناطق رطبة تظهر وتختفي وتتشابه مع مسارات صدوع جيولوجية قديمة. هذا النوع من الأدلة يضعف أي محاولة رسمية لتصغير المشكلة إلى “قصة منشورات” أو “ضجة إعلامية”، لأن المعطيات هنا مستندة إلى رصد طويل المدى من الفضاء، لا إلى شهادات متضاربة على الأرض.

 

أما سؤال “ماذا لو فشل سد السرج؟” فتتناوله الدراسة عبر محاكاة انهيار تتوقع أخطار فيضانات كارثية باتجاه المصب، تمتد آثارها إلى السودان ومصر وتهدد ملايين الأشخاص. وتذكر مادة صحفية عن الدراسة أن نمذجة الفيضان قد تصل إلى أعماق فيضانية كبيرة، وصلت في التقديرات إلى 34.7 مترًا في سيناريوهات محددة، بما يوضح أن الخطر ليس سياسيًا فقط بل عمرانيًا وبشريًا.

 

وفي هذا الإطار، تبرز تصريحات منسوبة للدكتور هشام العسكري بأن التعاون بين إثيوبيا ودول المصب لضمان سلامة السد “لم يعد قابلًا للنقاش”، وبأن الدراسة تمثل “راية حمراء” مبكرة، مع طرح سيناريوهات فحص وإصلاح أو تفريغ بطيء، وصولًا إلى الاكتفاء بالسد الأساسي بسعة 19.5 مليار متر مكعب. هنا، حتى عندما تُقدَّم “مخارج” على لسان باحثين، يبقى السؤال الحاد للحكومة: لماذا تُدفع المنطقة إلى حافة السيناريوهات بدل أن تُقدَّم بيانات سلامة كاملة، وتقييمات معلنة، تُعامل دول المصب كشركاء في الخطر لا كجمهور يُطلب منه التصديق؟