سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط
رغم تحسّن موقع مصر في التقارير الدولية الخاصة بمؤشّرات الجريمة بشكل عام في العامين الأخيرين، إلا أن أوضاعها الأمنية ليست أفضل كثيرًا من دول تعاني انهيار حروب أهلية أو تواجه مشكلاتٍ أمنية داخلية وعدم استقرار سياسي منذ أعوام. فحسب بيانات World Population Review جاءت مصر بعد سورية واليمن وليبيا في معدّلات الجريمة خلال عام 2025، ويليها المغرب ولبنان والعراق وتونس والأردن. ولا شك أن الترتيب كميًا وفقًا لعدد الجرائم المرتكبة يتجاهل اختلاف طبيعة المجتمع، ومن ثم نوعية الجرائم في الدول التي تسبق مصر في معدل الأمان وقلة الجريمة. أما من ناحية أنماط الجريمة ونوعياتها، فينبغي أن تنحصر المقارنة بين مراحل زمنية أو قطاعات مجتمعية معينة في الدولة نفسها، حيث اختلفت طبيعة الجرائم المرتكبة ومعدلاتها في العام الماضي على وجه الخصوص. وتفاقمت أعداد الجريمة ونوعياتها ذات الطابع الإنساني/ الاجتماعي، بينما حتى الماضي القريب لم تكن منتشرة، سوى استثناءات نادرة.
في الأسابيع الماضية فقط، أجبرت أسرة مصرية قبل أيام شابًّا على ارتداء زي راقصة والسير في الطريق العام بتلك الملابس النسوية الفاضحة. جاء ذلك على خلفية علاقة بين الشاب وإحدى فتيات العائلة، أي تُعد جريمة "شرف" بدافع الانتقام، غير أن الفعل المرتكب نفسه مستجد على المجتمع المصري المعاصر، فطريقة "التجريس" توارت بين المصريين منذ مطلع القرن العشرين. وكانت قد تراجعت إلى حد بعيد أيضًا الجرائم المرتبطة بالانتقام للشرف أو هتك العرض. في إطار اتجاه مجتمعي عام إلى مواجهة هذه القضايا بالتكتّم، أو الانتقام الصامت في الحد الأقصى. لكن واقعة "تجريس" الشاب لم تكن الوحيدة في هذا النمط المستجد على المصريين. فقبل أسبوعين، اعتدت سيدة مصرية في إحدى المناطق ريفية الطابع جسديًا على والدتها المُسنّة، أمام المارة في شارع عام. وفي منطقة راقية بالقاهرة، ضرب وسبّ رجلُ أعمالٍ رجل أمن يعمل في مجمع سكني فاخر يقيم فيه المعتدي. واللافت بشدّة عدم صدور أي رد فعل من المُعتدى عليه، إذ لم يبادر إلى المقاومة أو حتى حماية نفسه من الاعتداء البدني المهين. وفي غضون شهرين فقط، كُشف عن ثلاث حالات اعتداء جنسي متكرّر على أطفال صغار بالمدارس في القاهرة ومحافظات أخرى.
بالتأكيد، يُعزى هذا الانفلات السلوكي في المجتمع المصري إلى إهدار هيبة القانون وغياب تنفيذه، حيث بات المصريون يلجأون أولًا إلى تسوية الخلافات بينهم بأنفسهم، سلمًا أو عنفًا. كذلك أطلق غياب إنفاذ القانون العنان للنزعات البشرية بفرض السيطرة أو الابتزاز أو حتى لتلبية الشهوات والغرائز، بلا رادع أو خشية من عقاب. لذلك انتشرت حالات الاستيلاء على ممتلكات الغير والتحرّش اللفظي والجسدي. وسبق هذا تفاقم تلك الجرائم، وتفشٍّ واسع النطاق لتعاطي المخدّرات وتداولها علنًا في المناطق الفقيرة والشعبية.
ولأن تلك الجرائم ذات الطابع المجتمعي ترتبط عادة بمدى تعزيز القيم والمرجعيات المجتمعية أو انحسارها، فإن انتشار تلك النوعيات من الجريمة المجتمعية في مصر مؤشّرٌ قويٌّ على اهتراء منظومة القيم وإهدار المرجعيات. ولمّا كانت الحكومات المصرية تسعى منذ عقود لتقليص حضور الدين ودوره في المجتمع، ولا تبذل جهدًا يذكر للحفاظ على منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية التقليدية الموروثة؛ لم يعد هناك وازع حاكم لسلوك الأفراد أو ضابط لاختلالات نزعاتهم الفردية أيًا كان اتجاهها ومداها.
ومعنى ذلك أن منحنى الانضباط المجتمعي سيستمر في الهبوط متسارعًا، حتى يصبح الانحلال الأخلاقي والفوضى السلوكية مناخًا مقبولًا ومعتادًا. تمامًا كما أصبح الفساد والتحايل على القانون ثقافة عامة معترفًا بها مجتمعيًا.

